||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 86- فائدة حِكَمية: اقسام الجعل

 164- من ملامح عظمة الإمام الرضا (عليه السلام) ومظلوميته

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (16)

 حفظ كتب الضلال و مسببات الفساد

 215- مباحث الاصول: الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (6)

 22- (قل يا أيها الكافرون)1 صراع الحضارات أم تعايش الحضارات

 35- فائدة اصولية: استحالة تحقق الشهرة العملية على خلاف القرآن

 173- ظاهرة ( التبري ) من المستقلات العقلية ومن الامور الفطرية

 سوء الظن في المجتمعات القرآنية

 104- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-17 هل الأصل الفرد أو المجتمع؟ مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني تجاه الناس (خطر النيوليبرالية مثالاً)-1



 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار

 لنَعْتبِرْ قبل فوات الأوان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2797

  • التصفحات : 3227781

  • التاريخ : 19/11/2017 - 18:12

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 141- شهر محرم واعادة بناء الشخصية الانسانية .

141- شهر محرم واعادة بناء الشخصية الانسانية
الاربعاء 22 ذي الحجة 1433هـ




 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولاحول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم. 
يقول الله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) . 
ويقول سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي (صلوات الله وسلامه عليهما) "من حاول أمرا بمعصية الله كان أفوت لما يرجو,وأسرع لمجيء ما يحذر "وهنا عدة إضاءات: 
الإضاءةالأولى: بنيان الفرد والعائلة والمجتمع والدولة 
ان البنيان الذي تحدثت عنه الآية الشريفة، تارة يكون بنيان (الشخصية الفردية )المصداقية الحقيقية، وتارة يكون بنيان (عائلة) من العوائل، وثالثة يكون البنيانُ بنيانَ(تجمعٍ) من التجمعات، فـ(..بنيانه..) يراد به إطلاقاً أو ملاكاً: الأعم من بنيانه الشخصي والعائلي وغيرهما,هل أسسه على تقوى من الله ورضوان؟ أمأسسه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم. 
وهناك صور وأنواع أخرىمن البنيان، منها: (بنيان الدولة)، فان الدولة تارة يبنيها القائمون عليها على تقوى من الله ورضوانه، وتارة تبنى على العكس من ذلك. 
ومنها(المجتمع)بأكملهفانه قد يبنى على التقوى والرضوان وقد يبنى على السخط والعدوان. 
وذلك يعني: ان البنيان مفهوم عام وشامل، لايتحدد ببناء محدد ومفهوم ضيق كما قد يُتوهم (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير, ام من أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهاربه في نارجهنم). 
فعلى الإنسان ان يتدبر ويتفكر حول ذاته وما يحيط بها,كيف هو بناء شخصيته؟ وعلى ماذا بنى شخصيته وحياته وعلاقاته الاجتماعية؟ وعلى أي شئ بنى أسرته؟ او تجمعه او حزبه او العشيرة او الدولة او المجتمع بأكمله؟. 
الاضاءة الثانية: معادلة الباني، البناء، والمبني 
إن هذه المفردة(أفمن أسس بنيانه)تستبطن معاني ثلاثة، او قل أنها تدل بالدلالة التضمنية على : 
1)الباني. 
2)البناء. 
3)المبني. 
ولا بد من تقييم ودراسة هذه الاضلاع الثلاثة: 
الباني ماهي شخصيته او ماهي شاكلته ـ بحسب أيةقرآنيةأخرى ـ؟ ثم ان البناء كيف هو؟بعد ذلك الناتج من البناء أي المبني (المصنوع)ماهي خصوصياته ؟وماهي أبعاده ؟وماهي مواصفاته ؟ 
إذن هنالك (باني، وبناء، ومبني),او قل (صانع، وصُنع, ومصنوع)فهذه ثلاث مفاهيم وحقائق كلها تضمنتها كلمة (بنيانه)الواردة في الآية الكريمة. 
الإضاءة الثالثة: التجانس بين الباني والبناء والمبني 
إن هذه الحلقات الثلاثة (الباني، والبناء، والمبني),او قل (الصانع، والصُنع, والمصنوع),او نقول تماشيا مع مفردة أخرى وردت في الآية الشريفةوهي (أسّس): (المؤسس,والتأسيس، والمؤسسة),فان المؤسس له شخصيته، والتأسيس له خصوصيته، والمؤسسة لها مواصفاتها، هذه الحلقات الثلاثة يوجد فيها نوع من التجانس والسنخية بينها، أي بين عملية البناء وبين الباني ثم بين المبني والبناء والباني (أفمن أسس بنيانه... ) اذ ان هذه الإضافة– إضافة بنيان للضمير - فيها من الدلالة الشيء الكثير. 
نوعية النظام تدل على شخصية المنظم 
اذا دخلنا الى مؤسسة ما، فوجدنا الفوضى فيها هي الغالبة: السجلات والأوراق متناثرة هنا وهناك، والكراسي والأشياء موضوعة كيف ما اتفق.. إلى غير ذلك,فإننا سنكتشف من خلال هذه الحالة الفوضوية، شخصية القائم على هذه المؤسسة، وانه إنسان فوضوي، وغير متقن لعمله. 
كما اننا لو دخلنا الى مؤسسة أخرى فرأينا النظام فيها، نظاما مركزيا استبداديا، فنستكشف من ذلك شخصية هذا القائم على هذه المؤسسة وهذا المشروع، وأنه ذو شخصية أنانية، وانه لا يرى للآخرين نصيبا من المعرفة او الحرية او الرأي ولذلك لم يفتح لهم المجال لكي يدلوا بآرائهم،ليأخذ بها ولو في الجملة، وهذا واضح لان نوع النظام يكشف عن شاكلة المنظم. 
لون الحديث يكشف عن شخصية المتحدث 
ولنضرب مثالا أخرا : فانك تستطيع أن تكتشف شخصية الخطيب او الأستاذ او المتكلم او المؤلف، من خلال خطابته او درسه او كتاباته. 
كيف يدخل في صلب البحث وكيف يبتدئ مطلع الحديث؟وكيف يتوسط ويتوغل في الثنايا والأثناء؟ ثم كيف يختم وينتهي؟وهل هناك تسلسل منطقي يحكم مختلف ما تناثر من أحاديثه خلال ساعة معينة من كلامه او لا؟ 
وهل ان هذا (الخطيب) مهتم بالآخرينومقدِّر لهم فيعد الإعداد الجيد ام انه لايعير أهمية لهؤلاء الذين تجشموا العناء لكي يستمعوا منه بعض العظات؟ 
ان نوع الحديث يكشف عن توفر الحكمة في(المتحدث)أو عدمها، كما انه يكشف عن عمق تفكيره او سطحيته.وان الانسان الحصيف اذا استمع الى متحدث ولولبرهة قليلة، يعرف من ذلك انه ذو شخصية جادة متزنة، او شخصية مترهلة عابثة.بل قد يعرف ماوراء ذلك ايضا أي يعرف هل انه متواضع؟ او انه مستعلي على الناس؟ هل هو شجاع؟ ام جبان؟ ام متهور ؟ 
وحاصلالكلام في (الصانع، والصُنع, والمصنوع): ان الأثر يدل على المؤثر,لافي وجوده فقط، بل في تفاصيل وجوده ايضا.فان الدلالة دلالة تكوينية شاملة، على الأصل والخصوصيات, لكن هل في عالم الإثبات نكتشف ذلككله أو بعضه ام لا؟ ذلك أمر آخر، وقد جعل الله له طرقاً منها التدبر والتأمل والتفكر والفحص وغير ذلك. 
(محرم) من اكبر الفرص 
لإعادة تشكيل (البنيان) 
شهر محرم الحرام هو من أفضل الفرص, كشهر رمضان الكريم، لكي نعيد التفكير فيما بنينا عليه حياتنا، وفي بنيان شخصيتنا ولكي نعيد بناء شخصيتنا من جديد,وعلى كل واحد منا ان يفكر في سره: من انا وكيف أنا؟ وهل أنا سائر على الطريق الصحيح في تعاملي مع الآخرين، في الأسرة او المجتمع، ام لا؟ وما هو ناتج ذلك كله؟ 
ولكن لماذا شهر محرم هو فرصة استثنائية نادرة؟ إن الإجابة واضحة جداً وذلك لان الرمز الذي يذكّرنا شهر محرم به، هو أقدس رمز بعد رسول الله المصطفى محمد، وبعد أبيهأمير المؤمنين,وأمه الزهراء وأخيهالإمامالحسن (عليهم جميعا أزكى الصلاة والسلام ) فانه صلوات الله عليه مجمع الفضائل بل قمتها، وسيد الأولياء وقدوتها. 
ان شهر محرم لَهُوَ فرصة استثنائية,نادرة الوجود، لكي يعيد كل إنسان التفكير في شاكلته النفسية، من أنا ؟وكيف أنا؟ وماهوالتغيير والتطوير الذي يجب ان يتبلور ويتجسد في هذه الذات؟ وهو شهر استثنائي لكي يعيد كل من الخطيب او المؤلف او الأستاذ او الطبيب والمحامي او المهندس او الآخرونبناء شاكلتهم النفسية وشاكلة عوائلهم وتجمعاتهم. 
ان من المعروف ان شهر رمضانشهر تهذيب الأنفس، ولكن شهرمحرم ايضا كذلك.ونحن عندما نرفع هذه الراية، وهي من قبل مرفوعة خفاقة، فلاشك في ان ذلك للحصول علىالأجر والثواب, كما لاريب في ان ذلك تعظيم أهل البيت (عليهم أزكى الصلاة والسلام)، وبيان مظلوميتهم، لكن ايضا لكي نعيد التفكير، ولكي نعيد بناء هذه البنية التي بنينا أنفسنا عليها، لنكون الأحسن فالأفضل فالأكمل. 
دلالات موقف سيد الشهداء (عليه السلام)مع (المساكين) 
هناك قضية معروفة عن سيد الشهداء (عليه أزكى الصلاة والسلام)وقد وردت بها روايات عديدة: 
الرواية الأولى : "أنالإمام (عليه ازكى الصلاة والسلام)مرّ على مساكين يأكلون كِسراً على كساء فسلّم عليهم,فدعوه لكي يتناول معهم، فجلس (عليه أزكى الصلاة والسلام) وقال : لولا انه صدقة,لأكلت معكم، ثم دعاهم الى داره وضيفهم وأطعمهم وكساهم ووصلهم بدراهم " 
الرواية الثانية : "أنالإمام (عليه ازكى الصلاة والسلام)مرّ على مساكين يأكلون، في الصُفّه، فدعوه الى الغداء فقال: (ان الله لا يحب المتكبرين) ثم انه (عليه أزكى الصلاة والسلام) جلس معهم وتغدى معهم" 
ولاتنافي بين هذه الرواية والرواية الأولى, اذ يبدو ان الحادثة كانت متكررة ففي تلك القضية كان طعامهم طعام صدقة فلم يأكلالإمام (عليه أزكى الصلاة والسلام)معهم، أما في هذه القضية فلم يكن طعامهم طعام صدقة، فأكل معهم(لان المساكين أحيانا يحصلون على هدايا، او هبات، او من محصول وقف عام، او غير ذلك) . 
والحاصل: ان الظاهر ان القصة لم تكن في قضية واحدة بل كانت في قضايا متعددة، و(الإمام (عليه أزكى الصلاة والسلام) جلس معهم وتغدى معهم ثم دعاهم الى منزله وقال لزوجته :اخرجي ما كنت تدخرين,فأعطاهم مما ادخرته ليوم ما من الأيام). 
لنغير تعاملنا مع ذوي الدخل المحدود 
وهنا نقول: هاتان القصتان على بساطتهما الظاهرية، تستبطنان سر تحول أمةبأكملها، إذ تكشف عن عمق ( بنيانه ) صلوات الله وسلامه عليه، وعن انه كيف يجبر أن تكون عليه الأمة؟ 
هل يوجد تاجر يقوم بمثل هذا العمل ؟وهل هناك عالم او طبيب او مهندس او محامي او أستاذ جامعي او صحفي لامع، او رئيس او وزير او برلماني، يمر على مساكين فيجلس معهم على قارعة الطريق,ثم بعد ذلك يدعوهم الى منزله؟. 
ان هذه منهجية تربوية، علينا أن نتعلمها 
من سيد شباب اهل الجنة(عليه ازكى الصلاة والسلام) لنا جميعا، وهي ليست قصة عابرة، بل أُريد منها التعليم، لأنهإمامواسوة وقدوة، وهو سيد الكائنات وأشرف الخلائق في زمانه (عليه أزكى الصلاة والسلام). 
اننا في شهر محرم عندما نتحدث، وعلى المستمع عندما يستمع، ان نتجسد ونتمثل هذه المُثُل وهذه القِيَم في ذواتنا، فلو وجدت في داخل نفسي تعاليا على الناس مثلا، فعليّ ان اكسر هذا التعالي، ولو كان في شاكلتي النفسية بعض التكبر او الغرور او الحسد او الحقد على المؤمنين في مسائل شخصية، او بعضالعجب بالنفس، فعليّ أنأحاولإصلاح ما فسد واقوم بتهذيبه. 
نعم.. ان شهر محرم شهر متميز في شهور السنةالى جوار شهر رمضان الفضيل وهو يعدّ فرصة مُثلى لكي نعيد حساباتنا: عائلتي كيف بنيتها وجماعتي وتجمّعي، وذاتي أيضاً!ان من الضروري أن تنطلق الأمة كلها في البعد العاطفي وتنبعث ـ وتتحرك ـ بل يجب عليهم إحياءأمر أهل البيت عليهم الصلاة والسلام هذه كما ان من المطلوب إحياء الشعائر بأرقى ما يمكن من الإحياء وبمختلف تجسداتها وتمثيلاتها وهيئاتها والوانها التي صرح مشهور العلماء بجوازها بل استحبابها، لكن واضافة الى ذلك: علينا إعادة النظر في بنيانا الذي بنينا عليه أنفسنا وأن نفكر دوماً: كيف بنيت عائلتي؟ وكيف بُنيت وعلى مَ بُنيتُ تلك الدائرة او المؤسسة أو ذلك التجمع؟ هل بُنيت كلها على منهج سيد شباب أهل الجنة، ذلك المنهج المتميز الذي لا نجد له نظيرا في العالم كله؟. 
علينا ان نعيد النظر في بنيان ذواتنا وان نعيد النظر في بُنية عوائلنا، وان نعيد النظر في بَنيّة هذا التجمع او هذه الدولة او هذه الامة او ذلك الشعب. 
ثم بعد ذلك كله: تجب علينا إعادة تركيبة هذا البنيان من جديد، على ضوء القيم والمُثل العليا التي ثار لأجلها سيد شباب أهل الجنة عليه الصلاة والسلام، فان في ذلك إحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام) إذ (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم) 
واذا كنا كذلك فاننا سنكون مصداقا للآية الشريفة في شطرها الأول( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ...) أي على مايرضي الله سبحانه وتعالى.فهل أسساحدنا بنيانهكله – بكافة أصوله وفروعه وتفاصيله وتضاريسه - على مايرضي الله او لم يؤسسه على ذلك؟ 
ان شهر محرم هو موسم متميز لإعادة التفكير والتقييم والرقابة وإعادة البناء للنفس وللآخرين, وهو ذلك الشهر الذي يخرج فيه الإنسان، من كل مجلس منه،إنسانا جديدا قد محيت ذنوبه وطهر تطهيرا، لكن عليه ان يبني حياته على هذه الطهارة المستجدة. 
 
(البكاء والابكاء) توبة وبناء 
ونختم حديثنا برواية لها وثيق الصلة بما نحن فيه إذ تتحدث عن آثار إحدى أهم مظاهر وشعائر شهر محرم الحرام,والتي ينقلها السيد بن طاووس (رضوان الله تعالى عليه ) وبمضمونها روايات أخرى : 
"من بكى وأبكى فينا مئة فله الجنة. ...." وما أعظمه من أجر، بل وما أغربه لدى البعض! لكنه ليس بغريب، فإن (البكاء) و(الابكاء) تطهير للنفس وممحاة للذنوب، و(مقتضي) لإعادة بناء الذات، كما سنفصل ذلك في أحاديث قادمة بإذن الله. 
والخطباء يتصدون لهذه المهمة بالذات ـ جزاهم الله خير الجزاء ـ لكننا نرى ان هذه المسؤولية ليست مسؤولية الخطباء فقط بل على الطبيب ايضا ان يُبِكي الناس على سيد شباب اهل الجنة، وعلى المهندس او المحامي او الاستاذالجامعي او المدرس او المعلم في اسرته او على طلابه، وذلك لعظيم الاجر المترتب على ذلك. 
بل نقول: حتى لو كان الشخص رئيسا لدولة ما أو حاكماً أو وزيراً، فعليه أن يضطلع بهذا الدور – ولو بين فترة وأخرى -, فاذا كان الثواب هو (الجنة) فما المشكلة في ذلك وما الرادع عن ذلك؟ 
ان المطلوب ان تكون هذه الشعيرة، كسائر الشعائر الحسينية، ثقافة عامة وحالة عامة يشارك فيها الجميع فانها ليست خاصة برجال الدين والخطباء الكرام فقط، نعم هؤلاء متخصصون في هذا الحقل ولهم حق السبق، لكن الا يتمنى كل شخص ان يكون من اهل الجنة؟ وأليست هذه طريقاً شارعة اليها؟. 
يقول الامام (عليه السلام):"من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة ، ومن بكى وأبكى فينا خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا عشرين فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا عشرة فله الجنة، ومن بكى وأبكى فينا واحدا فله الجنة ". 
ان سفينة الإمام الحسين (عليه أزكى الصلاة والسلام) أوسع وأسرع,فلماذا نتخلف عنها؟ وما أجمل أن يتصدى الجميع، الرجال والنساء والكبار والصغار المسؤولون وشيوخ العشائر ومن أشبه، لكافة الشعائر الحسينية، ومنها هذه الشعيرة ان يَبكوا ويُبكوا ولو واحدا على سيد شباب أهل الجنة وسبط رسول الله (صلى الله عليه واله ) وقرة عين امير المؤمنين (عليه ازكى الصلاة والسلام). 
السر في اختلاف العدد 
وهنا قد تطرح أسئلةمنها : لما اختلف العدد؟ مئة، خمسون، ثلاثون، عشرون، عشرة, واحد؟ فنقول: 
1)لعله من باب التفضُّل, أي ان من أبكى مائة، فانه يستحق الجنة، ولكن الله تعالى تفضلا منه يعطي الجنة لمن أبكى اقل من هذا العدد ولو كان شخصا واحدا، وهناك نظائر لهذه الرواية، في أبواب أخرى؛ لعلنا نتطرق لها لاحقاً. 
2)الجنة لفظ له مصاديق كثيرة ومتعددة، فانه لفظ عام يستبطن مفردات وجنانا كثيرة، كما أن للجنان مراتب ودرجات، وهنا نجد ان بعض الأشخاصبابكائهم مائة من الآخرين يستحقون مرتبة أعلى تلك المراتب العالية من الجنة، اما الذي يبكي عشرة او واحدا فله مرتبة أخرى منها وهكذا. وهذا كقولنا كل من بلّغ رسالات الله فله الأجر والثواب, فان (الأجر)– والثواب - لفظ عام يستبطن مصاديق عديدة ومراتب مختلفة على حسب خلوص النية وصفاء السريرة وحجم العطاء والإنتاج وغير ذلك . 
ومنها: كيف يكون من أبكى ولو واحدا، ممن وجبت له الجنة ؟ 
والجواب: ان هذا البكاء يهيئ الطريق الى الجنة، كالاستغفار ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) ,لكن بعد ذلك على الانسان ان يصمم ان لايعصي الله سبحانه وتعالى، فانه إن بكى وأبكى او استغفر سبحانه وتعالى فقد محيت ذنوبه ووجبت له الجنة، لكنه ان عصى الله سبحانه وتعالى فلعله بذلك يحبط عمله، او لعله بذلك يستحق عقوبة في لحظات الاحتضار أو البرزخ أو القيامة – على حسب أنواع المعاصي ودرجاتها -*. 
نسال الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لنكون جميعا ممن يؤسسبنيانه على تقوى من الله ورضوان، وان يوفقنا في هذا الشهر الكريم لكي نكون من خُلّص أولئك السائرين في طريق سيد شباب أهل الجنة(عليه أزكى الصلاة والسلام) والعاملين بنهجه في الحياة. 
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين، وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين. 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الاربعاء 22 ذي الحجة 1433هـ  ||  القرّاء : 2309



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net