||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 289- فائدة قرآنية: نزول القرآن على سبعة أحرف وحجية القراءات

 84- فائدة أصولية: حقيقة الانشاء

 189- من حقوق الائمة ( عليهم السلام ) : المعرفة والطاعة وان تؤثر هواهم على هواك

 268- (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) 6 الحلول المفتاحية لظاهرة الشك والتشكيك حسب المنهج العقلي للامام علي ع

 الأمانة والعدالة في الحكم ومناشئ تولد الشرعية (6)

 253- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (11)

 112- مواصفات التوبة النصوح

 23- فائدة قرآنية: معاني كلمة الفتنة في القران الكريم

 71- (إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ )-5 نقد الهرمونطيقا ونسبية المعرفة من ضوابط الوصول للحقيقة

 كتاب أحكام اللهو واللعب واللغو وحدودها



 ثقافة الطموح لهزيمة الكسل

 مركز دراسات يستشرف مستقبل الدين في الغرب

 المسلمون بين القانون الغربي والعشائري

 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 قسوة القلب

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3417

  • التصفحات : 6632623

  • التاريخ : 27/03/2019 - 04:34

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 316- الفوائد الأصولية: الحكم التكليفي والحكم والوضعي (3) .

316- الفوائد الأصولية: الحكم التكليفي والحكم والوضعي (3)
25 ربيع الثاني 1440هـ

الفوائد الأصولية: (الحكم التكليفي والحكم والوضعي)

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة السادسة: أن مقتضى الأصل والمستظهر من لسان الأدلة وسيرة العقلاء وفهم العرف عدم التفكيك بين الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية ؛ فالشارع حين حرم هذا فقد أبطل المعاملة به ؛  فالتحريم التكليفي ناطق  بالبطلان الوضعي ؛ ولو قلنا خلاف ذلك لكان مثاراً لاستغراب العرف ، بل يُعد نقضاً للغرض وخلاف الحكمة ؛ نعم  خرج بعض الأحكام  لدليل خاص ومصلحة  أقوى.

بحث تطبيقي:
لو تنزلنا وقلنا إنَّ كتب الضلال الذاتي أو العرضي ومسببات الفساد هي ملك أولاً، وأن لها المالية ولم يلغها الشارع ثانياً، وأن لها فائدة لم ينزلها الشارع منزلة العدم، أو لم يكشف عن عدمها ثالثاً، لو سلمنا كل ذلك فإننا نلجأ لدليل رابع ذكره السيد الوالد وهو دليل حري بالتأمل، فإنه قد استدل لإبطال مختلف المعاملات الجارية على مسببات الفساد بدليل الانصراف، حيث قال: نعم، لا يبعد بطلانه إذا بيع ممن يَضِل أو يُضَل به، حاله حال البهيمة إذا باعها ممن يريد وطيها، فإنه لا يبعد القول ببطلان البيع؛ لأن {وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} منصرف عنه، فإن تحليله البيع مع أنه ينتهي إلى المنكر المكروه عند الشارع متنافيان عرفاً) [1]؛  فلو أن المولى كره مثلاً أن يبيع الابن الخاتم الذي ورثه من أبيه، فإن كراهته لذلك إذا بلغت حد التحريم فإنها لا تنسجم مع إمضائه للبيع.
وبتعبير آخر: إن مَنْ بيده اعتبار الملكية والنقل والانتقال كيف يسوغ ـ عرفاً ـ ويجّوز وضعاً النقل والانتقال مع تحريمه له؟

عدم التلازم بين الحكم التكليفي والوضعي:
ثم إن الوالد (قدس سره) أشار[2] إلى إشكال قد يورد على هذا الدليل وهو: أنه لا تلازم بين الحكمين التكليفي والوضعي ـ وببيان وصياغة منّا لكلامه ـ : إنه قد ينقض ما ذكر من أنهما متنافيان عرفاً، بأن الشارع قد فكك بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي، فإن الشارع أحياناً جعل وأنشأ الحكم التكليفي ثم أتبعه بحكم وضعي مسانخ له، ولكنه في أحيان أخرى أتبعه بحكم تكليفي مضاد له، وثالثة قد فصل .
وقد ذكر ثلاثة أمثلة على ذلك: ففي عام المخمصة، جوّز، بل أوجب الشارع أن يأكل المحتاج من ملك الغير، ولكن تجويزه التكليفي لم يستلزم اللاضمان، بل العبد ضامن لذلك الطعام، وفي العكس من ذلك نجد أن من اضطر لأجل إنقاذ غريق إلى غصب حبل للغير، فإن الشارع يوجب عليه هذا الغصب ولا ضمان.
وأما المثال الآخر: فإن الشارع قد فصل فيه فجعل الضمان على الغير، كما في الكفار الذين تترسوا بمسلمين قلة، فإن قتل هذه القلة لو توقف الفتح عليهم، وكان ذلك بإذن الإمام، فإن قتلهم سيكون جائزاً، وأما الدية فمن بيت المال.
وبعبارة أخرى: لا ملازمة بين الأحكام التكليفية وبين الأحكام الوضعية؛ إذ التفكيك بينهما ليس بعزيز.
وعليه، فكيف يدعي صاحب الفقه ـ بما يفهم من كلامه ـ التنافي بين تحريم البيع وصحته، فإن  المنافاة  مبنية على التلازم.

لا منافاة ذاتاً بل إثباتاً:
وقد أجاب السيد الوالد (قدس سره) عن إشكال التلازم حيث قال: إذ إن عدم المنافاة في نفسه لا يلازم الصحة كلما تحقق ذلك بعد رؤية العرف المنافاة في أمثاله [3].
والحاصل: إنه يرى وجود الاستثناء من كليّ عدم المنافاة، وهو المنافاة بحسب لسان الدليل.
ويمكن أن نستدل له بإضافة منا، ثم نوضح كلامه بما يبرهنه فنقول: لابد من تحديد المبنى الذي نرتضيه في الأحكام الوضعية منسوبةً للأحكام التكليفية.

العلاقة بين الأحكام الوضعية والتكليفية:
هناك مبنيان في المقام لتوضيح العلاقة بين الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية:
المبنى الأول: وهو مبنى الشيخ الأنصاري[4]، حيث يرى بأن الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكليفي، وعلى هذا المبنى فإن التلازم بين الأحكام الوضعية والتكليفية هو على مقتضى القاعدة، فكما أن هناك انتزاعيات خارجية، أي: انتزاعيات من الخارج كالزوجية من الأربعة، فهنالك أيضاً انتزاعيات اعتبارية، أي: انتزاعيات من الاعتبار، فإن الأحكام التكليفية اعتبار وينتزع منها اعتبار آخر، وهي الأحكام الوضعية. نعم، الشارع له أن يرفع بعضاللوازم ولايةً وتنزيلاً لهذا اللازم ـ رغم وجود الملزوم ـ منزلة العدم، كما في الزوجة المظاهَرة، فإنها لا تزال زوجة وضعاً، ولكن يحرم تكليفاً على الزوج الاقتراب منها، فالحكم الوضعي موجود دون الحكم التكليفي.
المبنى الثاني: وهو مبنى الآخوند[5] في الأحكام الوضعية وهو يقابل مبنى الشيخ، حيث قسَّم الآخوند الأحكام الوضعية إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهو ما لا يمكن جعله بالمرة لا تكويناً ولا تشريعاً، إلا بجعل منشأ انتزاعه التكويني، وحسب مثاله كالسببية والشرطية والمانعية والقاطعية للتكليف.
القسم الثاني: وهي تلك الأحكام الوضعية التي تجعل بجعل منشأ انتزاعها التشريعي ـ أي الحكم التكليفي ـ وفي هذا القسم فإن رأي الآخوند يطابق رأي الشيخ، حيث التلازم هو على مقتضى القاعدة، كما في السببية والشرطية والمانعية والقاطعية للمكلف به ـ لا للتكليف ـ فإن الشارع أمر بالصلاة المقيدة بكونها عن طهارة مثلاً، فقد أمر بهذه الحصة الخاصة من الصلاة، فانتزعت الشرطية من الطهارة، وهذا الكلام صحيح والملازمة متحققة، وانتزاع الحكم الوضعي من التكليفي ثابت.
القسم الثالث: وهي الأحكام الوضعية القابلة لأن تجعل استقلالاً، كما أنها قابلة لأن تجعل تبعاً للتكليف، مثل الولاية والقضاوة والزوجية والرقية وغيرها، فجعل الأب ولياً هو حكم وضعي يستتبع حكماً تكليفياً، وهو جواز تأديب الأب ولده بالمقدار الشرعي، كما أن هذه الأحكام قابلة للجعل تبعاً. نعم، ظاهر الأدلة هو الأول، أي: جعلها استقلالاً لا تبعاً.
وعليه: فإن الإشكال ينحصر في هذا القسم من أقسام الآخوند الثلاثة، حيث ينفك التلازم بين الحكمين الوضعي والتكليفي؛ إذ يمكن أن يجعل الشارع كلاً من الزوجية كحكم وضعي، وجواز الاستمتاع بها كحكم تكليفي، وله أن يفكك كما هو الحال في الزوجة المظاهرة، وكما هو الحال في الميتة، فإن الشارع يمكن أن يفكك بين طهارتها ـ وضعاً ـ من جهة، وبين أن يحكم بحرمة أكلها ـ تكليفاً ـ من جهة أخرى، كما هو الحال في مشكوك التذكية، فمقتضى الاستصحاب الأول هو الطهارة، ولكن مقتضى الأصل الآخر هو الحرمة، فالإشكال خاص بهذا القسم وبهذه الصورة , على فرض قبول المبنى.

تبعية الحكم الوضعي للتكليفي[6]:
وهنا نقول: إن المدعى ليس هو التنافي الذاتي ـ كما هو صريح كلام الفقه ـ بين الحكم التكليفي وبين ما لا يسانخه من الحكم الوضعي، أي: ليس المدعى هو التلازم الذاتي الثبوتي بين الحكم التكليفي، وبين ما يسانخه من الحكم الوضعي، وإنما المدعى يدور في عالم الإثبات، وهو أن المستظهر من لسان الأدلة في مثل هذه الموارد هو تبعية الحكم الوضعي للحكم التكليفي، أي: إن ظاهر لسان الدليل أنه حيث حرّم هذا الأمر فقد أبطله، لا للتلازم الثبوتي بينهما، بل لأن المستكشف عرفاً من مثل قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [7] تحريم نكاح الأمهات، أي: إن الشارع قد كره ذلك إلى حد التحريم، والمستظهر من هذه الكراهة وبهذا الحد ـ عرفاً ـ إبطاله لهذا النكاح، فإن هذا الخطاب عندما يلقى إلى العرف من أن نكاح الأمهات حرام، يفهم منه أن العقد على الأمهات باطل، وأنه لا يقع به النكاح، ولا تكون به زوجة، بل لعل من الواضح ظهور لسان هذا الدليل في تبعية الحكم الوضعي ههنا للتكليفي، ولو قيل بعكس ذلك[8]  لرأى العرف ـ وهم الملقى إليهم الكلام ـ ذلك مستغرباً ومستنكراً ومستبعداً.
ومما يرشد إلى ذلك ملاحظة الحال في السرقة، فإن الشارع عندما يحرمها فإن هذا التحريم يكشف عن أنه يكره السرقة إلى حدّ لا مجال معه للترخيص بها، وهذا واضح، وظاهرُ هذا أن الشارع لا يعتبر حدوث نقل وانتقال للشيء المسروق بالسرقة، أي: بسببها، ولو قيل بعكس ذلك لكان المورد مثار استغراب العرف.
وعليه فإن الشارع عندما يحرم السرقة والغصب وبيع السلاح من أعداء الدين، فإن تحريمه التكليفي ناطق عرفاً بالبطلان الوضعي.
ومقامنا من قبيل ما بيناه، فلو دلّ الدليل الشرعي على أن بيع كتب الضلال الذاتي الموجب للإضلال محرم، فإن المستظهر منه عرفاً أنه لا نقل ولا انتقال حينئذٍ وضعاً، ولو قيل بعكس ذلك لكان مثاراً للاستغراب عرفاً، بل قد يعد العكس نقضاً للغرض مخالفاً للحكمة، فتدبر.

سيرة العقلاء على إلحاق الحكم الوضعي  بالتكليفي
بل نقول: إن بناء العقلاء وسيرتهم في كل الدول والأعراف على أنهم لو حرّموا شيئاً، فإنهم يجعلون الحكم الوضعي تابعاً للحكم التكليفي والحرمة، ويرون أن ظاهر التحريم هو ذلك، فمثلاً نجد أنهم عندما يحرمون بيع المتفجرات والمخدرات مثلاً، فإن الظاهر من ذلك عرفاً ـ وعليه بناؤهم ـ  دلالة ذلك على البطلان وضعاً إضافة للحرمة تكليفاً، المستتبعة للعقوبة.

الحكمة والغرض يقتضي الاستتباع:
وتقوية للدليل الخامس نقول: إن مقتضى الأصل الأولي هو الاستتباع والملازمة بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي المسانخ له؛ فإن هذا هو مقتضى الحكمة ـ إلا مع المزاحمة بمصلحةٍ أقوى ـ فإن مقتضى حكمة الشارع ـ تحقيقاً لغرضه ـ هو إيجاد الباعثية في المكلف في صورة الإيجاب، وإيجاد الرادعية في صورة السلب، فلو حرم السرقة ثم رتب عليها الحكم الوضعي المسانخ من عدم الملكية فإنه يعدّ نوع رادع قوي، أما لو ملّكه الشارع ما سرقه رغم تحريمه فإنه يعد نوع تحريض منه على السرقة، ونقضاً منه للغرض وهو قبيح.

الاستثناء لدليل:
ونزيد الأمر إيضاحاً فنقول: إن ما بيناه هو مقتضى الأصل، وإن كان يمكن أن يخرج الشارع أو العقلاء عن هذا الأصل لجهة ما، كما في بيع المخمصة، فإن الأكل من ملك الغير في هذا الظرف قد أوجبه الشرع حفظاً للنفس عن التهلكة، فأباح الأكل تكليفاً بما يسد الرمق في عام المخمصة، ولكنه من جهة ثانية ضمّن الآكل ذلك، ففكك بين الإيجاب وبين اللاضمان، فلا يقال: إن مقتضى القاعدة ـ على ما قلتم ـ أنه حيث أوجب الشارع الأكل تكليفاً فلا ضمان وضعاً؛ إذ ذلك خروج عن الأصل بالدليل ولسبب، فإن السبب في التفكيك هو الجمع بين الحقين: حق الآكل وحق المأخوذ منه، فحق الأول في حفظ حياته يقتضي أن يباح، بل يوجب عليه الأكل، وحق الثاني في ماله يقتضي أن يضمن له ما أخذ منه بأن يعوض عنه، وهذا الأمر عقلائي، فيخرج المورد عن القاعدة الكلية بدليل خاص، ولمصلحة خاصة اقتضت التفكيك رعايةً للحقين[9].

بحث تطبيقي آخر:
إن المستَظهر من قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [10] أن (فَاجْتَنِبُوا ) في الآية الشريفة مطلقة، تشمل الحكم الوضعي والحكم التكليفي معا وبوزان واحد؛ وذلك لأن من اقتحم في المعاملة التي تسبب الفساد والضلال والإضلال، فإنه ليس مجتنباً لها، وتشريع الأحكام الوضعية واعتبارها نافذة في مثل بيع قول الزور مخالف للنهي المطلق عنه بـ (اجتنبوا)، فالآية دليل على الشمول والتعميم، ويتضح ذلك أكثر بملاحظة البحث الآتي:

البطلان  على مسلك إرشادية النواهي في المعاملات:
إن المستفاد عرفاً من حرم الربا في قوله تعالى: {وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}[11]  هو الحرمة التكليفية المستتبعة للحرمة الوضعية والأثر الوضعي، بمعنى أن المعاملة الربوية ـ كالإقراض الربوي مثلاً ـ محرمة في حد ذاتها تكليفاً، وهو الظاهر من الآية، بل هو نصّها، ثم المستظهر منها ـ بالتأمل ـ أن تلك الزيادة التي يأخذها المرابي هي عبارة عن أكل مال منهي عنه، فهو أكل مال بباطل فلا يملكها.
ولكن السيد الخوئي (قدس سره) ذهب إلى خلاف ذلك، فإنه قد استظهر أن (حرم الربا) لا تدل على الحكم التكليفي، وإنما تفيد الحكم الوضعي فقط، وأنها ليست ذات نهي مولوي في التحريم، بل هي إرشاد إلى البطلان، وقال في المصباح: >نعم، قد يتعلق النهي بمعاملة إرشاداً إلى الفساد، كما هو الغالب في المعاملات، كالنهي عن البيع الغرري والبيع الربوي[12].
وعلى هذا المبنى فإذا قلنا بإطلاق (اجتنبوا) وشمولها للمعاملة على قول الزور فإنها باطلة دون حاجة لمؤونة زائدة، إلا أن نقاشنا معه نقاش مبنائي، وهو أنه يرد عليه: أن تطبيق ذلك المبنى على المقام ليس بصحيح، فإن حرمة الربا هي حرمة تكليفية، لا كما هو ظاهر كلامه هنا؛ وذلك لظهور الآية ووضوح دلالتها على ذلك، بل هي نص فيه، فإنه وإن فرض قبول أن الأصل في النهي في المعاملات أنه إرشاد للفساد ولا يدل على التحريم، ولكن ذلك غير جارٍ فيما كان ظهوره في التحريم التكليفي أقوى من الظهور الثانوي العام المدعى في التحريم الإرشادي، وذلك مثل ظهور (حرم الربا) في الحرمة التكليفية، بل نقول: إن الروايات الكثيرة صريحة في الدلالة على الحرمة التكليفية.
ثم[13] إننا لو قبلنا ـ فرضاً ـ أن الحرمة في الربا هي بنحو الحكم الوضعي دون التكليفي، ولكن لو حلّت كلمة (اجتنب الربا) محلّ (حرم الربا) فإنه حتى على مبنى مثل السيد الخوئي ينبغي أن يقول (قدس سره)  بما نقوله وتبنيناه؛ وذلك لوجود خصوصية في كلمة (اجتنب) ـ وهنا النكتة الدقيقة ـ ولذا قلنا: إن البطلان في جوابنا لا يبتني على القاعدة الأصولية، حتى لو أثبتناها في محلها [14].

بحث تطبيقي ثالث:
إن السيد الروحاني قد استشكل على الميرزا في فقه الصادق (عليه السلام) بقوله: إن النهي إنما يدل على الزجر عن الحفظ، ولا يكون متعرضاً لإمضاء البيع على تقدير تحققه وعدم إمضائه) [15].
وكلامه هذا مبني على عدم التلازم بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، أو على عدم ظهور ذلك الزجر في الامضاء.
والجواب[16]: إن الملازمة في نظائر المقام ثابتة بين الحكمين عرفاً وعادةً؛ فإن الشارع عندما يقول: (أتلف كتب الضلال فوراً) فلازم ذلك عرفاً وعادةً أنه لم يشرِّع ـ تأسيساً أو إمضاءً ـ صحة المعاملات وضعاً، بل هو ظاهر فيه.
وبعبارى أخرى: إن الأمر بالإتلاف الفوري لا ينسجم مع تصحيح من بيده الاعتبار كافة المعاملات الجارية على العين، ولا نقول: إن هناك استحالة عقلية كما لا يخفى، بل نقول: إن اللازم العرفي والعادي هو البطلان، وأنه هو ما يفهمه العرف الملقى إليهم الكلام.
وبعبارة ثالثة: هناك تهافت في نظر العرف بين حكم الشارع بوجوب الإتلاف الفوري، وبين إمضاء كل المعاملات على عين الضلال، وإعطائها الشرعية الاعتبارية الوضعية[17].

بحث تطبيقي رابع :
ومن الأدلة الخاصة التي استدل بها على بطلان بيع كتب الضلالقوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[18].
وهذا الدليل هو دليل مهم ومفتاحي؛ حيث يترتب عليه الكثير من الفروع في المكاسب، وهو مورد نقاش ونزاع شديد، وذلك كما في بيع السلاح من أعداء الدين، فإنه حرام، ولكن هل هو باطل أو لا؟ فإن البعض - كالسيد الوالد (قدس سره) [19]- قال ببطلانه، ولكن البعض الآخر - كالسيد الخوئي (قدس سره) - رأى عدم البطلان[20]، وأما الشيخ الأنصاري (قدس سره) [21]  فإنه رأى البطلان أيضاً ولكن استناداً إلى رواية تحف العقول.

فروع كثيرة تستنبط من الآية الشريفة:
وأما الفروع التي تترتب على فهم معنى الآية فهي تتجاوز العشرات ـ ولعلها أكثر من ذلك بكثير ـ كبيع الدم- لو قلنا بحرمته-  فهل هو باطل أو لا؟ وكذلك مختلف ما يضر ضرراً بالغاً ـ ولم يكن بيعه لغرض عقلائي ـ كالسموم مثلا، فإنها مشمولة للآية الشريفة.
والكلام يجري في بيع الخمر والخنزير وأبوال ما لا يؤكل لحمه، فإن البعض رأى البطلان فيها استناداً إلى هذه الآية الشريفة.
والبحث استدلالاً ورداً يعمّ بقية المحرمات الذاتية والعرضية، ومنها مسألتنا، فهل أنَّ مختلف المعاملات الجارية على مسببات الفساد ـ ومنها بيع كتب الضلال أو الصلح عليها ـ باطلة أو لا؟[22] .


------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] الفقه (المكاسب المحرمة) : ج1ص 177.
[2] المصدر نفسه.
[3] الفقه :ج 1ص 177.
[4] انظر: فرائد الأصول : ج3ص 126، حيث قال: إن الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي، وأن كون الشيء سبباً لواجب هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء، فمعنى قولنا: إتلاف الصبي سبب لضمانه، أنه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها، فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: أغرم ما أتلفته في حال صغرك، انتزع من هذا الخطاب معنى يعبر عنه بسببية الإتلاف للضمان، ويقال: إنه ضامن.... وكذا الكلام في غير السبب، فإن شرطية الطهارة للصلاة ليست مجعولة بجعل مغاير لإنشاء وجوب الصلاة الواقعة حال الطهارة، وكذا مانعية النجاسة ليست إلا منتزعة من المنع عن الصلاة في النجس.
[5] انظر: كفاية الأصول: ص 400، حيث قال: وإنما المهم في النزاع هو أن الوضع كالتكليف في أنه مجعول تشريعاً بحيث يصح انتزاعه بمجرد إنشائه، أو غير مجعول كذلك، بل إنما هو منتزع عن التكليف ومجعول بتبعه وبجعله. والتحقيق: أن ما عد من الوضع على أنحاء. منها: ما لا يكاد يتطرق إليه الجعل تشريعاً أصلاً، لا استقلالاً ولا تبعاً، وإن كان مجعولا تكويناً عرضاً بعين جعل موضوعه كذلك. ومنها: ما لا يكاد يتطرق إليه الجعل التشريعي إلا تبعا للتكليف. ومنها: ما يمكن فيه الجعل استقلالا بإنشائه، وتبعاً للتكليف بكونه منشأ لانتزاعه، وإن كان الصحيح انتزاعه من إنشائه وجعله، وكون التكليف من آثاره وأحكامه .
[6] جواب الإشكال: ليس المدعى هو التنافي الذاتي، الإثباتي.
[7] سورة  النساء: 23.
[8] أي: بأن العقد عليها حرام، لكنها به تكون زوجة.
[9] حفظ كتب الضلال: ص 473.
[10] سورة الحج: 30، وهي الدليل الثاني من الآيات القرآنية الذي استدل به على حرمة حفظ كتب الضلال.
[11] سورة  البقرة: 275.
[12] مصباح الأصول2: 255، طبعة الداوري.
[13] جواب تنزلي.
[14] حفظ كتب الضلال: ص 430.
[15] فقه الصادق 14: 269.
[16] الجواب: الملازمة ثابتة عرفاً وعادةً وذلك هو الظاهر.
[17] حفظ كتب الضلال: ص 494.
[18] سورة  النساء: 29.
[19] انظر: إيصال الطالب : ج1ص24، 317، 319.
[20] انظر: مصباح الفقاهة :ج1 ص 56 ـ 57، حيث قال: أن يكون النهي عنها بلحاظ انطباق عنوان محرم عليها، كالنهي عن بيع السلاح لأعداء الدين عند حربهم مع المسلمين، فإن النهي عنه إنما هو لانطباق عنوان تقوية الكفر عليه، ويدل على ذلك جواز بيع السلاح عليهم إذا لم يفض ذلك إلى تقويتهم على المسلمين.... ومن هنا يتضح أن بين عنوان بيع السلاح منهم وبين عنوان تقوية الكفر وإعانته عموما من وجه، إذ قد يباع السلاح عليهم ولا يلزم منه تقويتهم، كبيعه منهم حال الصلح مثلاً أو حال حربهم مع الكفار الآخرين، أو مع المسلمين ولكن بشرط تأخير التسليم إلى ما بعد الحرب، أو بدون الشرط المذكور ولكن يؤخر التسليم قهرا عليهم، فإن هذه الموارد لا يلزم من البيع فيها إعانة كفر على إسلام.
[21] انظر: كتاب المكاسب : ج1ص 134، 140، 149، 151.
[22] حفظ كتب الضلال: ص 307.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 25 ربيع الثاني 1440هـ  ||  القرّاء : 288



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net