||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 الموضوعية و الطريقية في محبة الزهراء المرضية

 189- مباحث الاصول : (مبحث العام) (2)

 مؤتمرات الأمر بالمعروف والائتمار به

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (18)

 شعاع من نور فاطمة عليها السلام

 213- مباحث الاصول: الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (6)

 70- الاحتكام للآيات في تحديد ما اشتق منه التعارض

 122- (الدفاع عن المظلومين) من مفردات (رسالات الله)

 254- إستراتيجية العفو المطلق وربط كافة مناحي الحياة بالله تعالى وحجية الظن الخاص والمطلق على الانفتاح والانسداد

 94- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-7 مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني (الإنساني) في مواجهة السلطات الجائرة



 استقرار العراق وتقدمه هدفان لا تراجع عنهما

 السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2845

  • التصفحات : 3365451

  • التاريخ : 17/12/2017 - 00:14

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 206- مباحث الاصول - (التبادر وصحة السلب والانصراف) (3) .

206- مباحث الاصول - (التبادر وصحة السلب والانصراف) (3)
20 محرم الحرام 1439هـ

مباحث الاصول: التبادر وصحة السلب والانصراف

(التبادر ، وصحة السلب  ، والانصراف )

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين

الفائدة  السابعة: ينقسم  التبادر إلى نوعي وشخصي ، والأول هو الكاشف عن الوضع دون الثاني  .
قد يقال: إن تبادر أهل المحاورة هو الحجة والكاشف عن الوضع دون تبادر المستعلم والمكلف، أو فقل : التبادر النوعي هو الحجة دون الشخصي؛ لأنه بعد ما كانت  علاقة اللفظ بالمعنى وضعية جعلية لا ذاتية  ، فإذا تبادر لمختلف أهل اللغة في شتى البلاد ومن شتى البيئات المعنى ذاته من لفظٍ ما كشف ذلك على أن منشأه هو الوضع ، وأنهم جميعاً  قد  تلقوه يداً بيد كابراً عن كابرٍ وصولاً للواضع ؛ لأنه  لا منشأ متصوَّر لاتحاد كافة أهل المحاورة في فهم معنى منسبقاً إلى أذهانهم  ما لم يكن هناك تلقّي من الواضع الأول ، وأما التبادر لدى المستعلم فلا؛ إذ كيف يكون تبادر معنى معين من لفظ معين لديه دليلاً على وضع الواضع الأول قبل مئات السنين ،  مع احتمال كون سبق هذا المعنى إلى ذهنه أولاً وليد خلفياته الذهنية أو القرائن الحالية المكتنفة ببيئته خاصة.
لا يقال: إن تبادره إلى ذهنه وإن كان تبادراً شخصياً إلا أنه يمكن القول بكاشفيته عن الوضع الأول بأمرين:
الأول : أصالة التطابق بين التبادر الشخصي والتبادر النوعي.
والثاني : مرآتية التبادر الشخصي للنوعي .
هذا إذا لم نرجع الأول إليه ،  بل لو لم نرجعه لكان  الأول هو الاستدلال بالمرآتية أولاً ، فتدبر.
إذ يقال: لا مرآتية كما لا أصل؛ لوجود الفارق الكبير بين التبادرين؛ فإن التبادر لدى الشخص محتمل جداً أن يكون من حاق اللفظ ،  بل من الخلفيات الذهنية أو القرائن الحالية المكتنفة به ، عكس التبادر لدى أهل المحاورة والنوع ؛  لبداهة اختلاف خلفياتهم الذهنية وبيئاتهم والقرائن المحيطة بكل قومية أو طائفة  ، لأنه لو تبادر  معنى من ذلك الفظ  لدى كل ناطق بالعربية  دلّ على أن التبادر إنما هو من حاق اللفظ.
مناقشة  هذا  التفصيل :
ولكن هذا التفصيل غير تام، وأما حديث المرآتية فهو  تام، لأن آحاد أهل المحاورة ملتفتون  ولو ارتكازاً ساذجاً بسيطاً  إلى الفرق بين الحقيقة والمجاز ، وكذا هم ملتفتون إلى الانسباق من حاق اللفظ أو من القرائن الحالية أو المقالية المكتنفة، فمع التفاتهم الارتكازي إلى ذلك فلو رأى أحدهم عند التأمل في لفظ ومعنىً انسباقَه إلى ذهنه أولاً بالنظر إليه بذاته وقطع النظر عن أية مؤثرات خارجية محتملة ؛ دل ذلك عرفاً على أنه تلقاه كذلك كابراً عن كابر وصولاً إلى الواضع الأول ، أو كان دليلاً على أن حال سائر أهل المحاورة كذلك  ، فيكون  حينئذ  دليلاً على الوضع الأول بواسطة.
وأما احتمال خطأه بتوهم انسباقه من حاق اللفظ فهو وإن بقي عقلاً لكنه ملغى عقلائياً ، فإن احتمال الخطأ -  بل وجوده أحياناً وشاهِدُهُ تناقضُ دعاوى التبادر-  غير مخلّ بالحجية ككافة الحجج النوعية الظنية، بل أن المشهود تناقض دعوى التبادر وغيره لا بين الآحاد من أهل المحاورة فقط ،  بل بين مجاميع من هنا ومجاميع من هناك ،  لأنه لو كان الخطأ والتناقض مخلاً بحجية التبادر الشخصي لكان مخلاً بحجية التبادر لدى جمهرة من الأعلام أو من الناس أيضاً ، ولزم الاقتصار في حجيته على ما لو أجمع أهل المحاورة عليه أو شبه ذلك ، وهذا لم  يلتزموا به، كما لا يوجد له وجه وجيه .

الفائدة الثامنة : هناك عدة مناشئ للانصراف ، وهي ما بين مستقر وغير مستقر ، وما بين حجة وغير حجة .
إن أنواع الانصراف بلحاظ مناشئه متعددة، وهي ما بين ما هو معتبر فيكون منشأً للانصراف المستقر،  وما بين ما هو غير معتبر فلا يفيد إلا الانصراف البدوي، وهنا نتعرض لذكرها فقط من دون الإشارة لما هو مستقر أو بدوي أو حجة منها .
النوع الأول: أن يكون منشأ الانصراف لكثرة الوجود.
النوع الثاني: الانصراف لكثرة الاستعمال، وهو النوع على أقسام:
القسم الأول:أن يكون منشأ الانصراف كثرة الاستعمال التي بلغت هجران المعنى الأول والنقل للمعنى الثاني.
القسم الثاني: أن تكون كثرة الاستعمال قد بلغت حدّ الوضع التعيّني للمعنى المنصرف إليه دون هجران المعنى الأول ؛ فيكون اللفظ حينئذٍ مشتركاً لفظياً بينهما فيحتاج إلى القرينة المعينة [1].
القسم الثالث: :أن تكون كثرة الاستعمال لا تبلغ ذلك الحد ، بل يكون المنصرف إليه مجرد مستعمل فيه أو مجاز[2] راجح ؛فيكون المطلق حينئذٍ مجملاً لا يعلم إرادة المعنى الحقيقي منه أو المجازي [3].
النوع الثالث: الانصراف للتشكيك في الصدق في تمام الحصّة، حسبما نقله الشيخ الوحيد عن الميرزا النائيني، وهذا يمكن تقسيمه إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون لمشككية الماهية [4]، كما في الشك في النهار على صدقه على ما بين الطلوعين؛ إذ قد يدعى انصرافه إلى ما بعد طلوع الشمس أو عن ما قبله؛ فإن بعض مراتبه نهار قطعاً ، وأما الفترة المقارِنة لغروب الشمس أو المقارنة لطلوعه فهي في مرتبة أضعف، وكلما اقتربنا إلى الفجر كان التشكيك في صدق النهار أقوى وما ذلك إلا للتشكيك في الصدق من حيث مشككية ماهية النهار ،كذا الحال في صدق الليل على ما قبل المغرب وبعد الغروب، فتأمل.
القسم الثاني: أن يكون للتشكيك في الماهية، أي للترديد فيها، أي للترديد بين ماهيتين لا لمشككية الماهية الواحدة، كما في المياه الزاجية والكبريتية؛ فإنه قد يشك في صدق الماء عليها لا لمشككية الماء [5]بل لاحتمال كون المياه الزاجية والكبريتية ماهية أخرى وأنها من أنواع المياة المضافة.
ومن الأمثلة على ذلك صدق المسح في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [6] فهل يصح المسح بظاهر الكف ؟ فلا شك أن المسح بظاهر الكف على الرأس أو الرجل يعدُ مسحاً، لذا جوّزه بعضهم في الوضوء وأفتى به، ولكن قد يدعي الانصراف إلى باطن الكف أو الشك في الانصراف ،لذا احتاط جماعة من الأعلام احتياطاً وجوبياً بأن المسح إنما يكون بباطن الكف .
فهنا هل دعوى الانصراف هذه ناشئة من كثرة الوجود أي كثرة المسح بباطن الكف [7] ، أو أنها ناشئة من كثرة الاستعمال بحيث أوجبت أُنساً للفظ بخصوص هذا النوع من المسح [8]، أو أنها ناشئة من مناسبات الحكم والموضوع؟ .
القسم الثالث:أن يكون الانصراف للتشكيك في الصدق لمشككية الماهية الموضوع لها اللفظ؛  بمعنى كونها في عالم الثبوت مشككة ذات مراتب ، كما مشككية ماهية (الليل) [9] في الفترة ما بين الغروب والمغرب للترديد في صدقه عليه أو هو من النهار، فيقال: إن الليل منصرف عما قبل المغرب لمشككيته حتى على فرض وضعه لما يشمله.
ومن أمثلته التطبيقية الشرعية ما جاء في قوله تعالى: (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [10] ، حيث إن الصوم المأمور به هو الصوم المغيّى بالليل ؛ ولكن إذا أفطر قبل المغرب أي بعد الغروب وقبل المغرب فلا يعلم أنه امتثل الأمر الصريح بـ(إِلَى اللَّيْلِ) أم لا [11].
القسم الرابع: أن يكون الانصراف لمشككية الدلالة من حيث الوضوح والخفاء ، بمعنى كون اللفظ في عالم الإثبات ظاهر الدلالة فيحصة وخفي الدلالة في حصة أخرى، من غير أن يكون منشأهُ مشككية الماهية ، كما في معنى لفظتي (الجواز) و(المضي) في موثقتي ابن بكير وابن ابي يعفور ، حيث إن لفظة (الجواز) أي إذا جاز عن جزء من أجزاء الصلاة كالقراءة والركوع ، و(المضي) له فردان ، فردٌ دلالةُ الجواز والمضي عليه واضحة جلية ،  وهو ما لو دخل في الجزء اللاحق ، وفردٌ دلالةُ الجواز والمضي عليه خفية ؛ وهو ما لو خرج من الجزء السابق ولم يدخل في اللاحق .
فقد جاء في موثقة ابن أبي يعفور: ( إِنَّمَا الشَّكُّ إِذَا كُنْتَ فِي شَيء لَمْ تَجُزْه ) [12] فإن مقابل لم تجزه ؛ هو إذا جزته فلا شك ولا اعتناء بالشك ؛ فينصرف (جزته) إلى صورة دخوله في الجزء أو الركن اللاحق، وكذا ما جاء في موثقة ابن أبي بكير : كُلُّ مَا شَكَكْتَ فِيهِ مِمَّا قَدْ مَضَى فَامْضِهِ كَمَا هُو) [13] فإن أمضه له فردان كما ذكرنا.
النوع الرابع : أن يكون الانصراف لمناسبات الحكم والموضوع ، كما لو قال اشتر كيلواً من البيض، فإن هذا البيض ينصرف لا محالة إلى بيض الدجاج ، لذا لو اشترى كيلواً من بيض الحمام أو النعام لم يعدّ ممتثلاً رغم صدق البيض عليه حقيقة بالحمل الشائع الصناعي ؛ لأن البيض منصرف – انصرافاً مستقراً – إلى بيض الدجاج خاصة ؛ وذلك لمناسبات الحكم والموضوع .
النوع الخامس: أن يكون منشأ الانصراف أكملية بعض الأفراد من سائر الأفراد ، وذلك كانصراف انصراف صيغة الأمر بناء على وضعها لمطلق الطلب إلى الوجوب، لأنه أكمل صنفي الطلب [14]، إذ الطلب قد يكون مع المنع من النقيض فهو الوجوب ،  أو لا فالاستحباب.
النوع السادس: أن يكون منشأ الانصراف الغاية المرتكزة في الأذهان ، كما لو قال : جئني بعامل مع حاجته في البيت إلى بنّاء أو صبّاغ أو نجّار، فإن العامل ينصرف إلى البنّاء في الأول ،وإلى الصباغ في الثاني ، وإلى النجار في الثالث ، وهكذا.
بحث تطبيقي:
ذهب الميرزا النائيني (قدس سره) إلى انصراف البيع إلى بيع الأعيان دون بيع المنافع.
فنقول: تقدم أن مناشئ الانصراف هي ما بين معتبر ويكون منشأً للانصراف المستقر ، وما بين غير معتبر ولا يفيد إلا الانصراف البدوي، وهنا نبحث في جريان أي نوع من أنواع الانصراف يجري في دعوى الميرزا ، وأنه لو جرى فهل هو بدوي أو مستقر  حجة أم لا؟:
فأما الانصراف لكثرة الوجود [15] فالمشهور المنصور بأنها لا توجب الانصراف  في القضية الحقيقية أو الخارجية؛ ألا ترى أنه لو قال أكرم جنودنا أو الجنود بنحو القضية الخارجية للموجودين -  في هذه الفترة بأن كانت اللام للعهد الحضوري أو الذكري مثلاً- وكان أكثرهم في ساحةٍ و بعضهم غائباً لحاجةٍ [16] لم تكن كثرة الوجود في مكان أو حالةٍ سبباً لانصراف الحكم إليه [17] ؟ وألا ترى أنه لو قال جئني بماءٍ ، فجائه بغير ماء دجلة - مع كونه الأكثر وجوداً - عدّ ممتثلاً ولم يستحق العتاب؟  فكيف بالعقاب بدعوى انصراف اللفظ عنه لكثرة وجود ماء دجلة في هذه المنطقة وندرة وجود ماء الفرات أو النيل، أو العكس ؟
وأما الانصراف لكثرة الاستعمال، فقد سبق أنه على أنواع ثلاثة؛ وأن الانصراف لكثرة الاستعمال إذا كان موجباً للأُنس الذهني بالمنصرَف إليه بحيث يُعدّ كالمقيد اللفظي؛ فإنه هو الحجة الموجب للاستقرار المستقر فكيف إذا قلنا بالهجران [18] ؟ ولكن إثبات ذلك مشكل.
وأما الانصراف لمشككية الماهية، فقد سبق أن البيع كلي متواطئ [19]، و المنافع ليست مرتبة من مراتب الأعيان [20]؛ فالخروج موضوعي عن مشككية الماهية، وعلى أية حال فلا مشككية بين الأعيان والمنافع ليقال بالانصراف عن بيع المنافع استناداً إلى كون الماهية حقيقة تشكيكية وأنّ صدق البيع على الدرجة الدنيا فيه خفاء فالانصراف مستقر.
اللهم إلا أن يدعى أن المنافع بالنسبة للأعيان وإن كانت حقيقة أخرى لا مرتبة من مراتبها إلا أنها كذلك دقةً لا عرفاً؛ حيث إن العرف يراها امتداداً لوجود الأعيان ومرتبة نازلة منها ، فتأمل.
وأما الانصراف لمشككية الدلالة لخفاء صدقها على بيع المنافع ؛ فله وجه يعضده فهم مشهور الفقهاء لذلك.
نعم ، لو كانت دلالة اللفظ على بعض الحصص خفيةً بحيث أوجبت عرفاً عدم الشمول لها، لما شملها ، سواء أكان الحكم بنحو القضية الحقيقية أم الخارجية.
وأما الانصراف لمناسبات الحكم والموضوع فلا وجه له ؛ إذ لا يستفاد من (أحل الله البيع)[21] ومن مناسبة الحلية للبيع أن المراد بالبيع بيع الأعيان خاصة.
نعم ،إذا كانت مناسبات الحكم والموضوع متحققة زمن صدور النص بحيث أصبحت كالقيد اللفظي أوجبت الانصراف لبعض الحصص [22] في القضية الخارجية والحقيقية وإلا فلا.
وأما الانصراف لأجل الأكملية، فهي غير موجبة للانصراف ، نعم لو قلنا بإيجابها له – ولو في بعض الموارد – فلا يرد إشكال عدم المشككية في المقام ؛ إذ لا يشترط في الأكملية الانصراف للمرتبة الأعلى من المشكك ، بل أنه شامل للانصراف للفرد المباين الأكمل.
وأما الانصراف لأجل الحاجة والغاية ؛ فالانتفاع كما هو متحقق في صورة شراء الأعيان كذلك هو متحقق في صورة شراء المنافع [23] .
نعم ، الانتفاع بالاشتراء أكثر والحظ منه أوفر ، إلا أنه حيث كان مجرد الفرد الأكمل فهو لا يوجب انصرافاً.
والنتيجة: فالمنصور هو ما صار إليه الميرزا النائيني (قدس سره) من كفاية احتمال انصراف البيع عن بيع المنافع؛ لمنع انعقاد إطلاق لمطلقات البيع.
بحث تطبيقي آخر:
إن السيد الوالد (قدس سره)قد ارتأى بأن الأعمال والأقوال رشوة موضوعاً ولكنها ليست بمحرمة؛ ولتوجيه كلامه [24] نقول :إن أدلة تحريم الرشوة منصرفة عن الأقوال والأفعال، كمدح القاضي كتكثير السواد في مجلسه، ولكن وكما هو واضح أن الانصراف أمر وجداني؛ فلا يمكن المحاجة به على الغير أو له، ولكن يمكن أن نرجع إلى مناشئ الانصراف حتى تتضح صحة هذا الانصراف من عدمه في عدة  احتمالات:
الاحتمال الأول [25]: أنه لكثرة الوجود ؛ نظراً لأن الرشوة عادة في الخارج تكون ببذل الأموال.
ولكن هذا الوجه غير تام لما أسلفنا صغروياً من أن الأقوال كذلك هي كثيرة، كمصداق للرشوة على هذا الرأي الذي يراها رشوة ، بل قد تكون أكثر من رشوة الأموال ، وكذا الحال في رشوة الأعمال، كتكثير السواد وغيره .
هذا ، إضافة إلى أن كثرة الوجود لا تصنع وجهة للفظ، وهو السبب للانصراف المستقر ؛ وعليه فإن هذا المنشأ للانصراف ليس بصحيح.
والحاصل: أن هذا الاحتمال غير تام صغرى وكبرى ، أما الكبرى فإنّ كثرة الوجود لا تصح وجهاً للانصراف، وأما الصغرى فلأن الأفعال والأقوال كثيرة الوجود أيضاً.
المحتمل الثاني: كثرة الاستعمال؛ وهذا الاحتمال له وجه؛ وذلك بأنْ يقال: إنّ الرشوة غالباً تستعمل في الأموال ونظائرها، وهذه الغالبية أو الكثرة هي في قبال الندرة لا القلة؛ وذلك لأن الكثرة في قبال القلة لا تصلح كمنشأ للانصراف؛ لأن الانصراف على قسمين: مستقر وبدوي، والانصراف البدوي هو الذي يزول بالتأمل، كما في الانصراف الناشئ من قلة الاستعمال.
وأمّا كثرة الاستعمال التي هي في قبال الندرة فإن الانصراف فيها مستقر، وعليه فالكلام في كثرة الاستعمال البالغة درجة عالية ـ كـ 99% أو أكثر ـ وهذه الكثرة هي منشأ للانصراف ـ المستقر ـ في الأموال ونظائرها؛ وذلك أن حضور الجنائز ونظائرها من الأفعال لا تستعمل فيه كلمة رشوة إلا نادراً [26]، وكذا مدح القاضي ونظائره من الأقوال [27].
والمتحصل: إنه لو ثبت أن هناك كثرة لاستعمال لفظ الرشوة في الأموال، وإنه يقابلها ندرة للاستعمال في الأقوال والأفعال فإن ذلك قد يصنع وجهةً للفظ، فيكون منشأ للانصراف وإلا فلا.
والفرق بين المحتمل الأول والثاني هو أن منشأ الانصراف في الأول ثبوتي، وفي الثاني إثباتي؛ فإن المدار في الأول على كثرة الوجود وندرته، كما في الماء، فإنه طاهر مطهر، ولكن هل يشمل (الماء) المياه الزاجية والكبريتية؟ البعض يرى انصراف الماء عن هذين الموردين لندرتهما وجوداً، وعليه فليست هذه المياه بمطهرة؛ وذلك أن المياه الموجودة عادة حولنا هي مياه الأنهار والعيون والآبار، أما المياه الزاجية والكبريتية فقليلة أو نادرة، ولكن الأصوليين لا يرون أن كثرة الوجود الخارجية مولدة للانصراف؛ ولذا فإن النبي| إذا قال: (إن الماء مطهر) فإن ذلك لا ينصرف عن ماء البحر لعدم وجوده بقربه.
وعليه فإن سبب الانصراف ـ على فرضه ـ هو كثرة الاستعمال لا كثرة الوجود.
المحتمل الثالث: مناسبات الحكم والموضوع ، فهل هذا يجري في أدلة الرشوة؟ فمثلاً: لو أنّ المولى قال: إن الكذب حرام، فقد يقال: إنّ ذلك لا يشمل [28] انصرافاً الكذب في إصلاح ذات البين، أو الكذب لإنقاذ النفس المحترمة، وذلك للمناسبة [29] بين الأركان الثلاثة: الحرمة والكذب من جهة، وإصلاح ذات البين، أو حفظ النفس المحترمة من جهة.
المحتمل الرابع: السيرة ؛ حيث إنّ السيرة قرينة مقامية تصلح للإخلال بالإطلاق المدّعى في أدلة تحريم الرشوة؛ لأنها لا تفيد حرمة القول والفعل من حيث هو هو؛ إذ لا تدل على أكثر من الحرمة فيما لو كان مقدمة موصلة من حيث إيصالها [30] ، فلا يعلم ـ والحال هذه ـ انعقاد الإطلاق في الأدلة بما يشمل الأقوال والأفعال.
وبتعبير آخر: إن المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة قد اختلت، وهي أن المولى في مقام البيان من هذه الجهة.  
والمتحصل: إن الأدلة ناظرة إلى الرشوة المالية ونظائرها، فتكون هي المحرمة لا إلى الرشوة القولية أو الفعلية [31] ، ولو تم هذا الوجه فإن تفصيل السيد الوالد سيكون تاماً، وإلا فلا مناص من اللجوء إلى رأي السيد الخوئي، حيث نفى صدق الرشوة والحرمة معاً [32] .

---------------
[1] وذلك لأنه حسب المحقَّق بأنه يمكن الاشتراك اللفظي بين الكل وبعض أجزائه، أو الكلي وبعض حصصه إذا لوحظت بشرط لا.
[2] على المبنيين.
[3] أو ما كثر استعماله فيه.
[4] وهذا هو ظاهر بعض عبارات الميرزا في أجود التقريرات.
[5] لأنه متواطئ.
[6] سورة المائدة: آية 6.
[7] فلا حجية لها على وجه.
[8] فتكون له الحجية ، إلا أن دعوى حدوث الأُنس بهذه الدرجة مشكلة، وللحديث صلة.
[9] حيث إن الليل حقيقة تشكيكية ثبوتاً ؛ إذ منه دامس ومنه غيره ، ثم يتدرج في المراتب نزولاً عند اقتراب وقت المغرب.
[10] سورة البقر:آية187.
[11] فهنا مراحل ثلاثة متدرجة: إما أن نقول: بأن ما بين الغروب والمغرب من النهار ،وإما أن نقول: إن ما بين الغروب والمغرب من الليل ، و لكنه لشدة ضعفه ماهيةً وواقعاً ينصرف عنه الليل، وإما أن نقول:إنه لو شككنا في الانصراف وعدمه فإن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ؛  فيجب حينئذ الصوم إلى المغرب خروجاً عن عهده الأمر الإلهي المسلّم ؛ وأصالة عدم الانصراف غير جارية مع كون الشبهة مفهومية ،ـ وعدم وجود الحالة السابقة لهذه المفردة بلحاظ وقوعها متعلقاً للحكم الشرعي ، فتأمل.
[12] تهذيب الأحكام: ج1 ص101.
[13] تهذيب الأحكام: ج2 ص344.
[14] على رأي بعضهم .
[15] وفي المقام كثرة وقوع بيع الأعيان وقلة وقوع بيع المنافع.
[16] كما لو ذهب لشرب الماء أو لإصلاح سيفه أو لغير ذلك .
[17] بحيث يكون كالقيد اللفظي للمطلق.
[18] هجران استعمال البيع في بيع المنافع.
[19] لذا يصدق على بيع الأمر الخطير كالدار والمعمل والمزرعة، وعلى الأمر الصغير أو الحقير كبيع كيلو من الفاكهة -مثلاً - بوزانٍ واحد، عكس النور الصادق على مراتبه بنحو التشكيك والأقوائية والأضعفية.
[20]لأن المنافع ليست مرتبة نازلة من وجود الأعيان ، بل هي حقيقة مباينة؛ إذ الأعيان من مقولة الجواهر، وأما المنافع -كسكنى الدار- فمن مقولة الاعراض وليست الأعراض مرتبة من مراتب الجواهر.
وبعبارة أخرى: سكنى الدار وخياطة الخياط مثلاً ليست مرتبة نازلة من وجود الدار أو وجود الخياط إذ الخياطة من مقولة الفعل ومقولة الفعل ليست من مراتب وجود الفاعل غاية الأمر انها معلولة له والمعلول ليس من مراتب وجود العلة، واما السكنى فهي مركبة من مجموع مقولتي الفعل والوضع أو هي الفعل أو الوضع خاصة، وعلى أية حال فلا مشككية بين الأعيان والمنافع ليقال بالانصراف عن بيع المنافع استناداً إلى كون الماهية حقيقة تشكيكية وأنّ صدق البيع على الدرجة الدنيا فيه خفاء فالانصراف مستقر.

[21] سورة البقرة آية 275.
[22] التي ساقت إليها مناسبات الحكم والموضوع.
[23] كسكنى الدار.
[24] وذلك لغرابة هذه الدعوى بدواً: من كونها رشوة ولكنها ليست بمحرمة.
[25]وهذا الاحتمال أشكلنا أما الكبرى فإنّ كثرة الوجود لا تصح وجهاً للانصراف، وأما الصغرى فلأن الأفعال والأقوال كثيرة الوجود أيضاً.
[26] ولعله أقل من واحد بالألف.
[27] ويؤيد ذلك الرجوع إلى المرتكز الذهني والعرفي لبيان هذا المدعى؛ فإنه وقبل طرح هذا البحث ههنا لم يكن يخطر بالبال عادة أن مثل الحضور في مجلس القاضي أو العالم يطلق عليه رشوة، ولو كان بقصد أن يقضي لصالحه لاحقاً ، هذه هي الصغرى في المقام.
[28] في قبال أن يقال يشمله لكن الدليل الحاكم أو المخصص أخرجه حكماً.
[29] إيجاباً بين الأولين وسلباً بين الأول والأخيرين.
[30] والحال أن الأقوال والأفعال لاستنقاذ حق ستصطبغ كمقدمةٍ بصبغة ذيها.
[31] ويوجد ههنا نقاش وإشكال، ثم إشكال على الإشكال نتركه لتأملكم، على أن المآل واحد (عدم الحرمة)، وإن كان من حيث البحث العلمي مفيداً ومنمياً للملكة، وذلك أن بحث السيرة هو بحث سيال، وإن تحقيق نسبة السيرة مع القضية الكلية المنصوص عليها مهم؛ لأنها قد تكون مفسرة، وقد لا تكون, وقد تكون مردوعة، وقد لا تكون.
[32] فقه الرشوة :  ص 337 باختصار.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 20 محرم الحرام 1439هـ  ||  القرّاء : 316



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net