||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 266- مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية الظنون) (3)

 249- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (7)

 لقاء مع اساتذة و طلبة جامعة اهل البيت عليهم السلام

 171- مباحث الاصول : (السيرة العقلائية)

 172- مباحث الأصول : (مبحث الأمر والنهي) (1)

 130- من فقه الحديث: تحليل قوله صلى الله عليه وآله: (ورجلاً احتاج الناس اليه لفقهه فسألهم الرشوة)

 199- (محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم) - (2) - هل نحن مع رسول الله ؟ وهل الرحمة بالمؤمنين واجب شرعي ؟

 أضواء على حياة الامام علي عليه السلام

 6- الهدف من الخلقة 2

 192- مقاييس الاختيار الالهي : 1ـ الاتقان والاتمام في شتى مراحل الحياة



 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 الإسلام والاستبداد نقيضان لا يلتقيان

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3207

  • التصفحات : 5701128

  • التاريخ : 17/11/2018 - 20:07

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 191- اسباب ظهور ( داعش ) وسبل الحل والمواجهة .

191- اسباب ظهور ( داعش ) وسبل الحل والمواجهة
الأربعاء 14 ذو القعدة 1435هـ





بسم الله الرحمن الرحيم 
 
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى، محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم. 
 
مواصفات القائد الرباني 
 
وسرّ الغيبة الكبرى 
 
يقول تعالى: 
 
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)([1]) 
 
ظاهرة (داعش): الأسباب والحلول 
 
في الاونة الاخيرة برزت ظاهرة غريبة فاجأت الجميع فيما يبدو، وقد برزت من تحت السطح فجأة، تسمى ظاهرة (داعش) بما اثارته من رعب وقلق وإرباك وتدمير وصعود مفاجئ غريب، فما هو السبب الكامن وراء هذا الظهور المفاجئ الشاذ والغريب؟! 
 
التدبر الواعي في الآية الشريفة يعطينا جملة من الاسباب التي تكمن وراء أية ظاهرة شاذة وهمجية كهذه الظاهرة. 
 
ولكن قبل ذلك لا بد ان نشير إلى ان الملاحظ انه في السابق كان الاستعمار والاستكبار العالمي وايادي الشياطين تختلق مخلوقا غريبا همجيا وهجينا يثير في الارض الفساد في كل (100) سنة أو أقل أو أكثر كالوهابية او البهائية او غيرهما، وكانت مهمة هذا المخلوق الفساد الافساد وتشويه الاسلام عبر إنتهاج منهج القساوة أو الإنحلال والجمود الغريب أو الانفتاح اللامنضبط الفوضوي([2])، لكنهم في السنين الاخيرة وفي القرن الاخير تحديدا نجدهم بدل ان يخترعوا كل (100) سنة موجودا عجيبا في الهمجية والوحشية، اخذوا يقلصون الفاصل الزمني حتى تسارعت الانتاجات للتنظيمات المشوهة، حتى أصبح كل عقد من الزمان يبرز لنا وحشا جديدا يلتهم البلاد ويدمّر العباد، لكن وكل مرة بشكل مختلف وباسم مختلف ايضا، فتارة يسمونه القاعدة واخرى يسموه داعش وثالثة جبهة النصرة او بوكو حرام، ولعله غدا يخرج لنا دينصورا غريبا بأسم اخر ... من يدري؟! 
 
افلا تستحق منا هذه الظاهرة ان نبحثها وندرس جذورها ونتائجها وكيفية علاجها؟ خاصة وانها آخذة بعناقنا بل بعناق الجميع كما يبدوا من التحالفات التي بدأت تظهر بين دول العالم ضدها بحسب الظاهر؟ 
 
ان خروج جماعة مجهولة تقفز من المجاهيل ليس لها اسم ولا تاريخ ولا علم ولا حضارة، وتسيطر في فترة وجيزة على 35% من أرض العراق، شيء يستحق التوقف والتامل خصوصا واننا لم نسمع بمثل هذا الامر على مر التاريخ؛ اذ ان السيطرة على الارض تتطلب جهدا ووقتا استثنائيين، في حين انهم سيطروا على (9) مليون نسمة في العراق وسوريا في وقت قصير جدا، مع انهم لم يقبل بهم الجميع: لا الشيعة ولا السنة، لا العراق ولا دول الجوار ولا غيرهم، بل حتى الدول العظمى فيما يبدو. 
 
فما هو الحل لمواجهة هذه المخلوقات الارضية الغريبة([3]) التي خرجت قياداتها من السجون الامريكية والسعودية([4]) ومن بطون كتب الفكر التكفيري الوهابي، والتي تفتك بالناس بلا موازين عقلية ولا شرعية ولا عرفية ولا غير ذلك، فيلوثون الاسلام باسم الاسلام حتى ان جماعة بوكو حرام في نجيريا تخطف الفتيات الشابات وتهتك الحرمات وتعتبر ذلك من صميم الجهاد والدعوة الى الله تعالى!! 
 
ان علينا البحث والتنقيب عن اسباب هذه الظواهر الغريبة الشاذة والمتوحشة؛ اذ العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس، والاسباب والعوامل كثيرة منها ماهو دولي ومنها ماهو اقليمي وغير ذلك، ولكلٍ شطر وافر من الحديث، الا اننا الان نعرض عنها صفحا ونتحدث فقط عن العوامل الداخلية. 
 
بصائر هامة في آية ابتلاء إبراهيم 
 
واذا تدبرنا في الآية الشريفة نكتشف اهم العوامل الداخلية لذلك، ففي الاية بصائر كثيرة لها الموضوعية، كما ان لها الطريقية في حل عُقَدِ امثال هذه الظواهر الشاذة، قال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)([5]) ومن أهم هذه البصائر: 
 
1- افعال الله تعالى معلَّلة بالغايات 
 
هناك نقاش كلامي معروف بيننا وبين بعض الاشاعرة وهو: هل ان افعال الله سبحانه وتعالى معللة بالاغراض ام لا؟ نحن ـ وكل منصف ـ نذهب الى الاول، اما اولئك فيذهبون الى الثاني، علما اننا نقول بذلك لا لحاجة الله الى تعليل أفعاله بالاغراض، بل ان حكمته تقتضي ذلك، وان هذه الاية الشريفة تصلح كدليل على مانذهب اليه. 
 
بيان ذلك: ان الله تعالى أراد ان يستخلف خليفة في الارض وان ذلك يتحقق في جعله ابراهيم ( عليه السلام ) اماما ـ وكذلك سائر الانبياء والاوصياء ـ لكنه تعالى لم يستخلفه حتى ابتلى ابراهيم بكلمات كان لا بد عليه من اتمامهن ليكون خليقا بالخلافة الإلهية المرجوة، فحيث نجح ابراهيم ( عليه السلام ) في ذلك الامتحان والاختبار (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، ومعنى ذلك ان افعال الله معللة بالغايات كما نذهب اليه. 
 
كما ان قوله تعالى (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) يؤكد ان أفعاله معللة بالأغراض ولذا لا ينال عهده إلا المحل القابل وهو العادل بقول مطلق غير الظالم بأي وجه من الوجوه. 
 
2- ماهية الكلمات التي اتمها ابراهيم ( عليه السلام ) 
 
ماهي هذه الكلمات التي وردت في قوله تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)؟ وأهمية هذه الكلمات تنبع من ان إتمامها من قبل إبراهيم ( عليه السلام ) كان مقياسا للاستخلاف الالهي في الارض. 
 
إضافة إلى اننا اذا عرفنا تلك الكلمات فسوف نعرف السبب الأساس والجوهري وراء ظهور داعش وغيرها من المخلوقات المشوهة التي ابتليت بها الامة الاسلامية قديما وحديثا. 
 
أ- الكلمات هي: أنواع الطهارة العشرة 
 
والجواب: هناك عدة تفاسير لهذه الكلمات نتعرض لابرزها : 
 
1) ماذهب اليه قتادة([6]): انها عشر كلمات خمسة منها في الراس وخمسة اخرى في البدن: فاما التي في الراس: فقص الشارب وفرق الشعر والمضمضة والاستنشاق والسواك. واما التي في البدن: فالاستنجاء وحلق العانة والختان وقص الأظافر ونتف الابطين. 
 
المناقشة: 
 
وفيه: 
 
1) لا سنخية بين هذه الأفعال ولا تجانس ولا مناسبة بينها وبين الاستخلاف الإلهي لإبراهيم ( عليه السلام ) لخلص اولياءه على الأرض فأية سنخية بين قص الأظافر أو المضمضة وبين الاستخلاف وتوكيل إدارة وسياسة البلاد والعباد واقتصادهم وحقوقهم إلى هؤلاء؟. 
 
2) إن هذه الأفعال او أكثرها، مما يقوم بها اغلب الناس حتى من غير الموحدين، ولا شك انها افعال طيبة خاصة اذا صدرت عن اخلاص واتباع للدين الحنيف، لكنها لو كانت ملاك الاستخلاف الإلهي لصَلُح الكثير جداً من الناس ليكون في مقام إبراهيم خليل الرحمن!. 
 
ب – الكلمات هي: الولاية واليقين والمعرفة والشجاعة و... 
 
ب) ما تذهب اليه مدرسة اهل البيت (عليهم السلام): فقد وردت روايات متعددة في هذا الشأن الا اننا نذكر رواية واحدة وهي رواية معتبرة سندا، ومتوافقة مع أصول المذهب والمعتقد، وهي تصرح بان الكلمات هي: اليقين والمعرفة والشجاعة والنزاهة والحلم وغير ذلك كما سيأتي. 
 
وهذه هي الكلمات التي ينبغي ان يتحلى بها – على حسب درجاتها - النبي او الخليفة او أي قائد او مرجع تقليد أو أي مدرس ومعلم ومربي، لكننا – ويا للأسف - اعرضنا عن هذه الكلمات فحل بنا ماحل، ولازلنا بعيدين كل البعد عن ذلك فقد ورد في تفسير البرهان عن الشيخ الصدوق عن الامام الصادق ( عليه السلام ): 
 
(الكلمات) أ (الولاية العظمى لمحمد المصطفى إلى المهدي من آل محمد ( عجل الله تعالى فرجه الشريف )) 
 
قال (الراوي) : قال: سألته عن قول الله عز وجل: (وإِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ) ما هذه الكلمات؟
 
قال: «هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، وهو أنه قال: يا رب، أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم». 
 
فقلت له: يا بن رسول الله ، فما يعني عز وجل بقوله: (فَأَتَمَّهُنَّ)؟ 
 
قال: «يعني فأتمهن إلى القائم (عليه السلام) اثني عشر إماما ، تسعة من ولد الحسين (عليه السلام)».([7]) 
 
فهذه هي الكلمة الاولى وهي (الولاية العظمى) والإذعان بالقيادة الربانية العليا للرسول وأهل بيته على جميع العوالم فان الله تعالى هو من يعين القيادة والإمامة العامة والمرحلية، على الناس فان اتبع الناس امامهم الذي انتخبه الله سعدوا ورشدوا واهتدوا ونالوا فوق المنى دنياً وديناً وأخرى. قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)([8]) والا فانهم من الضالين. 
 
ب- اليقين 
 
ثم يقول الامام ( عليه السلام ) ( .... فأما الكلمات فمنها ما ذكرنا([9]) ومنها اليقين وذلك قول الله عز وجل: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ)([10])
 
وهذه الصفة (اليقين) صفة أساسية في النجاح والفلاح في الدنيا قبل الاخرة؛ سواء في القائد أم الجندي أم المدير والمعلم أم غيرهم لذا ترى مثلاً الجيش الذي يتحلى أفراده باليقين بالآخرة والجنة فانه يقاتل بكل حماسة وقوة وفدائية وعزة وثبات فيَقتل ويُقتل فيكون من الشهداء وحسن اولئك رفيقا، وما ذلك الا ليقينه بواجبه وبيوم القيامة وما يترتب عليه من النعيم المقيم، اما الجندي الذي لا يقين له فانه يهرب لدى أدنى مخاطرة فيلحقه العار الى يوم الدين ... 
 
والحاصل: ان اليقين بالله وعدله وثوابه وعقابه وبالمثل الأخلاقية العليا في أي مكان حل فانه يحوّله الى روضة غناء ويحوّل صاحبه إلى انموذج فكيف اذا كان يقيناً مثل يقين ابراهيم؟. 
 
ج- المعرفة 
 
(ومنها المعرفة بقدم بارئه وتوحيده وتنزيهه عن التشبيه حين نظر إلى الكوكب و القمر والشمس، واستدل بأفول كل واحد منها على حدوثه، وبحدوثه على محدثه، ثم علمه ( عليه السلام ) بأن الحكم بالنجوم خطأ في قوله عز وجل: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)([11]) وإنما قيده الله سبحانه بالنظرة الواحدة لان النظرة الواحدة لا توجب الخطأ إلا بعد النظرة الثانية، بدلالة قول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما قال لأمير المؤمنين ( عليه السلام ): يا علي أول النظرة لك، والثانية عليك لا لك. 
 
د- الشجاعة 
 
ومنها: الشجاعة وقد كشفت الاصنام عنه بدلالة قوله عزوجل : (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)([12]) ومقاومة الرجل الواحد الوفا من أعداء الله عز وجل تمام الشجاعة. 
 
أقول: كل صفة من هذه الصفات هي فضيلة عظمى من الفضائل وهي من المستقلات العقلية وتكشف عن ملاكات الانتقاء والانتخاب الإلهي، فكلما تمتع الأفراد – قيادات وجماهير – بدرجة أعلى فأعلى فأعلى من هذه الصفات كانوا أقرب لرضى الله وأجدر بأن يتبوأوا المقامات والمناصب الأعلى. 
 
هـ - و: الحلم والسخاء 
 
ثم الحلم: مضمن معناه في قوله عز وجل : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)([13]) 
 
ثم السخاء: وبيانه في حديث ضيف إبراهيم المكرمين. 
 
ز – العزلة عن الظالمين والمبطلين 
 
ثم العزلة عن أهل البيت والعشيرة مضمن معناه في قوله: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)([14]) الآية . 
 
ومن الواضح ان اعتزال الظلمة والمبطلين والضلال والمنحرفين من أكثر الأمور صعوبة.. والاعتزال قد يكون بالجسم والجغرافيا وقد يكون بالقول والعمل والسيرة والسلوك وإن خالطهم وعاشرهم. وتشخيص الصغرى موكول إلى المكلف البصير. 
 
ح- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 
 
(والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بيان ذلك في قوله عز وجل : (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) ودفع السيئة بالحسنة وذلك لما قال أبوه: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) فقال: في جواب أبيه: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) ) 
 
أقول: وللأمر بالمعروف أنواع ومراتب، فكلما تمسك الإنسان بالأمر والنهي أكثر في مراحل حياته وفي شتى ما يواجهه فانه يكون أجدر بحب الله وأحرى بان ينال المراتب العليا وأليق بان تسند له المسؤوليات والمراتب الراقية. 
 
ط – التوكل 
 
(والتوكل بيان ذلك في قوله: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)([15])
 
ي – الانتماء إلى الصالحين 
 
ثم الحكم والانتماء إلى الصالحين في قوله: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)([16]) يعني بالصالحين الذين لا يحكمون إلا بحكم الله عزوجل ولا يحكمون بالآراء والمقائيس حتى يشهد له من يكون بعده من الحجج بالصدق، بيان ذلك في قوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ)([17]) أراد به هذه الامة الفاضلة ، فأجابه الله وجعل له ولغيره من أنبيائه لسان صدق في الآخرين وهو علي بن أبي طالب عليه السلام و ذلك قوله عز وجل: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً)([18]) 
 
أقول: إذا كان إبراهيم على عظمته يدعوا الله تعالى ان يلحقه بالصالحين فما بالك بنا نحن؟ ثم أهل يعقل ان يلتحق الإنسان بالصالحين وهو معرض عن قيادتهم وعن التمسك بحبلهم؟ وهل يعقل ان يلتحق بالصالحين وهو معرض عن منهجهم في السياسة والاقتصاد والاجتماع والإدارة وغيرها؟ 
 
ك – المحنة في النفس والولد والأهل والصبر 
 
والمحنة في النفس حين جعل في المنجنيق وقذف به في النار. 
 
ثم المحنة في الولد حين أمر بذبح ابنه إسماعيل . 
 
ثم المحنة بالاهل حين خلص الله عز وجل حرمته من عزازة القبطي في الخبر المذكور في هذه القصة. 
 
ثم الصبر على سوء خلق سارة . 
 
ل – م: استقصار النفس على الطاعة والنزاهة 
 
ثم استقصار([19]) النفس في الطاعة في قوله : (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ)([20]) 
 
ثم النزاهة في قوله عز وجل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)([21]) 
 
أقول: النزاهة لها مراتب كما لها أنواع فمنها نزاهة المعتقد ومنها نزاهة القلب ومنها التعلق بغير الله وبغير الحق ومنها نزاهة الجوارح عن التلوث بالمعاصي من غش ورشوة وخداع وتدليس ونظر لما لا يحل بل حتى لما لا يجمل وعن سماع غيبة أو غير ذلك. 
 
ثم الجمع لاشراط الطاعات في قوله: (...إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)([22]) فقد جمع في قوله: ( وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) جميع أشراط الطاعات كلها حتى لا تعزب عنها عازبة، ولا تغيب عن معانيها منها غائبة...) إلى آخر الرواية وما أعظمها من كلمة تختزل كل الكلمات وتجمع بين ثناياها كل الخيرات وألوان الطاعات!! 
 
المقارنة بين التفسيرين 
 
لو لاحظنا الرواية السالفة لتبين لنا الفرق الشاسع بين ما يصدر عن أئمة الهدى (عليهم السلام) وبين ما يقوله قتادة واشباهه من مفسري العامة الذين اخذوا من عين كدرة تفرغ من ماء آسن، ولم ياخذوا من العين الصافية التي تجري بامر ربها بكل خير الى يوم يبعثون، اعني حجج الله تعالى وسادتنا وموالينا محمد وال محمد صلوات الله عليهم اجمعين . 
 
ولذا تعتبر رواياتنا عن اهل البيت قمة في الحكمة والمعرفة والربط الصحيح بين الاشياء، وبين الأسباب والمسببات. 
 
ثم ان ما ذكره قتادة يعتبر من الشريعة والحنيفية ولا شك في ذلك، لكنه خلط بين السبب والنتيجة؛ فان هذه الامور العشرة هي إحدى النتائج التي تفرعت عن الكلمات التي ذكرتها رواياتنا والتي أتمها ابراهيم ( عليه السلام )، فصلح لان تنزل عليه الشريعة من قبل الله تعالى، وفيها ومنها تلك العشرة وذلك هو ما يشير إليه تفسير علي بن إبراهيم حيث فكك بوضوح بين بعض الكلمات التي اتمهن – وهي السبب في جعله إماماً – وبين النتائج التي ترتبت على كونه إماماً ومنها نزول الأحكام العشرة عليه وهي من ضمن الشريعة، ولكن لان قتادة وأمثاله لم ياخذوا من منابع الوحي فانهم خلطوا أسباب الاستخلاف الإلهي ببعض الأحكام التي نزلت بعد الاستخلاف الإلهي. 
 
موقع ومعنى (إذ) في بداية الآيات 
 
كثيرا ما ترد في القران الكريم آيات مصدرة بكلمة (واذ) ومن ذلك ايتنا الشريفة (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) والسيد الوالد([23]) يفسر ذلك بقوله: أي : اذكر يا محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اذ ابتلى ابراهيم ربه ... فهذا هو وجه الربط. 
 
ومعنى ذلك ان الله يامر نبيه (وامته من بعده) أن يتذكروا ذلك، الامر الذي يكشف عن عظمة هذا الامر؛ لان فيه العبرة والصلاح والفلاح والخير كل الخير، كما ان التذكر هو من بواعث الاقتداء والتأسي والعمل فلاحظ مثلاً هذه الكلمات العظيمة (الولاية العظمى والإمامة، اليقين، المعرفة، الشجاعة، السخاء، التوكل ..... ) 
 
ولنفكر الآن قليلاً لو أن هذه الصفات تحلت بها كافة شرائح الأمة من تجار وكسبة إلى جامعيين وطلبة إلى عمال ومزارعين وغيرهم ألم يكن الشر مما سينعدم من على وجه هذه المعمورة؟ وألم يكن العدل والإحسان والسلام والإيمان هو سيد الأمم؟ لكن المسلمين كانوا مِن مَن اعرض عن ذلك وكانت من نتائج ذلك ان خرجت علينا هذه الوحوش المفترسة التي تتلذذ بسفك الدماء وقطع الرقاب وخطف النساء وتهجير العوائل، والغريب انها تفعل ذلك كله باسم الاسلام!!. 
 
وبكلمة: فان هذه البلايا وهذه الرزايا سببها الإعراض عن اللجوء إلى خليفة الله في الارض: الاعراض القولي والاعراض العملي، والاعراض الفكري والنفس، و غير ذلك. 
 
الاعراض عن ولي الله هو سبب التيه والخسران في الدنيا والاخرة 
 
ان في قصة موسى ( عليه السلام ) عندما غاب عن قومه مدة معينة أكبر العِبَر، فان قومه ما لبثوا ان عبدوا العجل رغم ان نبي الله هارون كان موجوداً بين اظهرهم، وهو خليفة ومنصوب من قبل الله تعالى، لكن الشر والاشرار تغلبوا عليه ولم يتمكن رغم مواجهته لهم من دحض شرورهم وجهلهم، فلم يكن بحوزته إلا القاء الحجة عليهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لكنهم ابوا إلا طغياناً وعصياناً. 
 
وهذا الامر يشكل الإجابة على اعتراض البعض على العلماء والمرجعيات الربانية تجاه بعض واجباتها ومسؤولياتها، وانها لم تستطع ان تغير، فان البعض يتوقع منها ان تفعل الاعاجيب كي تبسط العدل والامان في البلاد في حين ان ما يقوم به المراجع الربانيون هو المطابق لامكانياتهم وقدرتهم فيما بينهم وبين الله تعالى. 
 
ان العلماء الربانيين لم يقصروا في هداية المجتمع وتربيته لكن ما فعلوه هو قصارى ما يخرج من ايديهم كما ان هارون ( عليه السلام ) لم يستطع ان يقف بوجه انحراف قوم موسى ( عليه السلام ) رغم انه نبي عظيم فما بالك بالعلماء والمراجع الأبرار؟ وذلك يعني ان البلسم الأعظم والحل الناجع والأساس هو في الاستغاثة بولي الله الأعظم عجل الله فرجه الشريف والإلحاح على الله عز وجل في تعجيل فرجه المبارك وعبر تزكية أنفسنا والالتزام بتعاليم السماء في كافة مناحي حياتنا كي يلطف الله تعالى بنا فيأذن لوليه الأعظم بالفرج. 
 
والحاصل هو ان المشاكل والدواهي والرزايا والبلايا التي تحيق بالمسلمين بل بالعالم كله هي أعظم من أن يقتلعها العلماء من الجذور... ان المشكلة أعظم بكثير، فانها هي ان الخلافة اخذت من أيدي الانبياء والصالحين والاولياء واصبحت بيد أولياء الشياطين والحكومات الظالمة؛ ولذا كانت النتائج سيئة مفزعة حتى مُلئ الكأس بدم الابرياء، وتخضبت الارض بما فاض منه ، واخرج الشيطان راسه من مغرزه هاتفا: الله اكبر([24])
 
نعم لو ان الجهود تضافرت، واشتغلت مراكز الدراسات الاسلامية وتلاقحت افكار العلماء والمفكرين فيما بينهم لامكننا ان نحجّم الأضرار ونقلّص الأخطار إلى حد كبير جداً، ونجهض فيما نجهش خطر داعش وغيرها قبل ان تستفحل أكثر فأكثر. 
 
لكن الخمول والكسل وعدم امتلاك مراكز دراسات بالمستوى والجهل بمداخل الأمور ومخارجها جعل الجميع يذهل لما وقع بالفعل في العراق وغيره، فلم يكن أحد يتوقع ان يقوم أذناب الغرب بما قاموا به بهذه الصورة المفجعة... 
 
ان من الواضح ان الانسان عندما يكون في السياسة كالاعمى فان البلية سوف تنزل عليه من حيث لا يحتسب، في حين ان الشعب والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني لو كانت على مستوى عال من الوعي والاستعداد والتهيؤ وكانت مراكز الدراسات تعمل ليل نهار، ولو كانت للحوزات العلمية والجامعات لجان مشتركة وتعاون مشترك وكذلك بين الاحزاب الدينية بل وكل الجهات (لان البلية عامة) لما وصلنا الى ما وصلنا اليه . 
 
فاذا لم نقم بذلك كله فستبقى الحالة كما هي وان بزيادة او نقيصة على حسب الجهد الذي يمكن لنا ان نقوم به. 
 
وهذا كله هو مقتضى جهدنا البشري الممكن وهو واجب دون شك بل من أوجب الواجبات وبذلك نحول دون الكثير من الرزايا كمّا أو من تجذرها كيفاً.. ولكن مع ذلك كله يبقى ان البلسم الأعظم – كما سبق – هو في ظهور ولي الله الأعظم ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) فانه لا خلاص للعالم من مشكلاته إلا بعودة خليفة الله في أرضه إليهم ظاهراً غير مستور... ولذا جاء في الدعاء: 
 
(اين معز الولياء)؟ فان المعز الحقيقي للمؤمنين هو الامام عجل الله فرجه (ومذل الاعداء، اين جامع الكلم على التقوى...) فقد يكون المتقون كثرة لكن كلمتهم قد لا تكون مجموعة. 
 
(اين باب الله الذي منه يؤتى) فان به تنزل السماء بركاتها وتخرج الأرض خيراتها ويسود العدل والإنصاف والسلم والإحسان 
 
كما ويكشف عن البعد الآخر للمعادلة ما ورد في الدعاء: (اين مبيد العتاة والمردة) فانه المبيد للمجرمين والسفاكين بأجمعهم (اين مستأصل اهل العناد والتضليل والإلحاد) وعندئذ (تشرق الأرض بنور ربها) ويتحقق الوعد الإلهي الأكبر (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)([25])
 
قبل ان يبعث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانت هناك ملامح ومعالم هداية متناثرة هنا وهناك ولم يكن الظلام مطبقا تماماً ولكن وعلى حسب تعبير السيد الوالد كان النور والهداية كالحباحب([26]) فقط لكن بعد مبعث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أصبح النور كشلال من الضياء والبهاء يعم الأرجاء والأنحاء لكنه لم يقضِ على الظلام تماماً ولكن قد قدر تعالى ان هذا النور سوف يملأ الكون كله في زمن ظهور وليه الاعظم عجل الله فرجه الشريف. انهم يرونه بعيداً ونراه قريباً بإذن الله ولطفه وكرمه 
 
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين 
 
=============================================
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الأربعاء 14 ذو القعدة 1435هـ  ||  القرّاء : 6206



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net