• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 290- فائدة منهجية: معادلة الظاهر والتدقيقات العقلية .

290- فائدة منهجية: معادلة الظاهر والتدقيقات العقلية

معادلة الظاهر والتدقيقات العقلية[1]:

إعداد السيد حسين الموسوي

قد يقال: إن المعيار والمرجع في الاستنباط من القرآن الكريم ـ وكذا السنة النبوية المطهرة ـ هو الاعتماد على الظواهر لا الدقة العقلية، وبناءً على ذلك، وبملاحظة أنّ كون قول الزور[2] مصدراً أو اسم مصدر هو بحث صرفي عقلي وليس بعرفي، فإنه قد يقال: إنه لا ينبغي أن يصار إليه، بل حتى طرحه وبحثه، وإنما ينبغي أن يلجأ إلى الظهور العرفي، والذي لا يرى التفريق بين المعنى المصدري والمعنى الاسم المصدري بما ذكر من دقة وآثار، وسيأتي الجواب عن ذلك بعد قليل.

الإطار العام للبحث:
ويتضح الجواب عن ذلك بالإشارة إلى بحث عام ومهم، لابد من ذكر إطاره إجمالاً حتى لا يذهب الذهن بعيداً كنتيجة لذلك، ويتوهم ضرورة الاقتصار على الظواهر القرآنية، وإلغاء الاستنباطات المعمقة والبحوث الدقية مطلقاً.

أطر العلاقة بين الظاهر القرآني والتدقيق العقلي:
إن هناك أطراً ترسم العلاقة بين الظاهر القرآني وبين التدقيقات العقلية، ومن هذه الأطر:

الإطار الأول: أن لا تصطدم الدقة العقلية، وكذا التشقيقات والتفريعات والاستنباطات، عقلية كانت أو فلسفية أو كلامية أو أصولية أو منطقية، أو حتى فيزيائية أو كيماوية أو غيرها، بالظاهر القرآني، هذا هو الإطار والشرط الأول، وهو أمر أساسي ورئيسي[3]، كما لا يخفى.
وهنا نوضح: إنّ تعبير (أن لا تصطدم الدقة العقلية) هو تعبير دقيق، فإننا قلنا: إنه يجب أن لا تصطدم الدقة العقلية بالظهور القرآني، ولم نقل: (أن لا يصطدم حكم العقل بالامتناع مع الظاهر القرآني)؛ وذلك لأنّ حكم العقل القطعي لو كان كذلك لتقدم على الظاهر القرآني دون شك، ولاتضح منه عدم إرادته ظاهراً، كما في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}[4].
والحاصل: أنه تارة يحكم العقل بالامتناع، فيقدم حكمه على الظاهر القرآني، ويصرفه عن ظهوره دون ريب، وتارة أخرى لا يحكم العقل بالامتناع، وإنما يتوغل ويستنطق النصوص بتدقيقات مختلفة فهذا له صورتان، والجامع: أنّ ذلك مسموح به، بل وممدوح، ولكن بشروط منها ما ذكرناه من كون ذلك في إطار الظاهر وإلا فلا.
وما[5] نحن فيه ـ أي: البحث الدقي الذي ذكرناه في المصدر واسمه ـ هو صغرى لهذه الكبرى، فإنه بحسب الأدلة التي سقناها[6] تبيّن أنّ المراد هو اسم المصدر لا المصدر، والمستظهر أنّ هذه الدقة العقلية مطابقة للظاهر القرآني، وأنها تدور في إطاره، وهي مجرد تحليل له, وتوضيح في قالب اصطلاح، فقد استظهرنا أن ظاهر (اجتنبوا) هو الاجتناب عن مطلق ما يتعلق بقول الزور من التقلبات[7]، وحيث استظهرنا ذلك فإننا بعد ذلك نحلل ونقول: إن ّ هذا الظاهر ينطبق على اسم المصدر.
والمتحصل: إنّ هذه الدقة قد انتزعت من الظاهر وكانت تحليلاً له، بل نتيجة له، وهي في إطاره ولم تصطدم به.
هذا[8] كله في غير المعصومين عليهم السلام، وأما فيهم فإنّ مطلق كلام المعصوم عليه السلام ومختلف تأويلاته وتشقيقاته وتدقيقاته، حتى لو لم تكن في إطار الظاهر، فهي حجة وصحيحة وتامة؛ وذلك لأنّ الأئمة عليهم السلام هم من نزل القرآن في بيوتهم، وهم الأعلم بمرادات الشارع وبظهورات القرآن، وبطونه وسائر أسراره، فإنّ الله تعالى عندما أنزل القرآن ضمّنه علوم الكون بأكمله[9]، وأودعها في صدر رسوله المصطفى صلّى الله عليه وآله، ثم في صدور الأئمة الأطهار عليهم السلام، قال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}[10]، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها...)[11]، ولتفصيل الاستدلال مجال آخر. هذا هو الإطار الأول.

الإطار الثاني: أن تكون هذه الدقة العقلية والاستنباطات بعد مراجعة الروايات والنصوص وفي إطارها، إذ قد يكون فيها ما يردّ بعضها فلا تقبل حينئذٍ[12].


--------------
[1] من مباحث سماحة السيد المرتضى الشيرازي (دام ظله) في كتابه: حفظ كتب الضلال ومسببات الفساد: ص180ـ183.
[2] في قوله تعالى: (واجتنبوا قول الزور) سورة الحج: 30.
[3] وهناك شروط أخرى.
[4] الفتح: 10.
[5] التحقيق عن اسم المصدر مندرج في هذا الإطار.
[6] حيث رفضنا الدليل وارتضينا الأربعة.
[7] وهي الأدلة الأربعة التي قبلناها.
[8] استثناء قول المعصوم عليه السلام وتقديمه على الظاهر.
[9] فإنه لا يعقل ذلك إلا بالبطون ـ وبوجوه أخرى ـ فتكون من قبيل تعدد الدلالات في بحث مفصل، وقد ذكرنا كيفية أن القرآن الكريم تضمن كافة العلوم بصورة لا متناهية، وذكرنا له وجوهاً عشرة في بعض كتبنا المخطوطة.
[10] بضميمة الروايات الدالة على أن الإمام المبين هو أمير المؤمنين عليه صلوات المصلين وسائر الأئمة الطاهرين عليهم السلام أجمعين.
روى الشيخ الصدوق في الأمالي: 235، فقال:... حدثنا أحمد بن إسماعيل بن صدقة، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام، قال: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وآله {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} قام رجلان من مجلسهما، فقالا: يا رسول الله، هو التوراة؟ قال: لا، قالا: فهو الإنجيل؟ قال: لا، قالا: فهو القرآن؟ قال: لا، قال: فأقبل أمير المؤمنين علي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: هو هذا، إنه الامام الذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كل شيء).

[11] الأمالي، الطوسي: 577.
[12]  وللحديث تتمة، بل تتمات ولكن هذا المقدار كافٍ في المقام.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3187
  • تاريخ إضافة الموضوع : 24 شوال 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 23