• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 326- من فقه الحديث: المزاح السباب الأصغر .

326- من فقه الحديث: المزاح السباب الأصغر

بين المزاح والسب[1]
اعداد: الشيخ محمد علي الفدائي

ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (المزاح السباب الأصغر)[2]
والظاهر من الرواية اعتبار المزاح صغرى لكبرى السباب، ولا شك في حرمة السبّ، فيكون المزاح بحسب الرواية محرم مطلقاً.
وبتعبير آخر: أن الظاهر من الرواية أن السباب الأصغر حمل على طبيعيِّ المزاح، والطبيعي يوجد بوجود أي فرد من أفراده، فكلها محرم.
والبحث في الرواية من جهتين :
من جهة السند:
وهي بحسب الظاهر معتبرة على حسب مختلف المباني، فقد وردت في الكافي الشريف[3] عن:
حميد بن زياد، وقد وثقه النجاشي (رحمه الله) بتعبير صريح فقال: (كان ثقة واقفاً)[4]، كما قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) عنه: (علم جليل واسع العلم كثير التصانيف)[5]، إلا أن المشكلة أنه واقفي، ولذا فالرواية حسب المصطلح موثقة، يعتمد عليها.
الحسن بن محمد، وهو مشترك بين مجموعة من الأشخاص.
وعلـيه: فلابد من مراجعة كتب المشـتركات للتمييز بينهم، وعند مراجعة مشـتركات الكاظمي (رحمه الله) وغيره وبحسب قرينة طبقة الراوي وعمن يروي ومن يروي عنه، فإن المراد منه هو الحسن بن محمد بن سماعة، وهو ثقة وإن كان واقفياً أيضاً.
والحاصل: إن الأصل عندما يذكر الحسن بن محمد في الروايات: أن المراد به ابن سماعة، ونخرج عن هذا الأصل في بعض الموارد التي حصرت في علم مشتركات الرجال، فراجع.
أحمد بن الحسن الميثمي، وهو إن كان نفس أحمد بن الحسن بن اسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار، فهو ثقة وإن كان واقفياً أيضاً، قال عنه النجاشي (رحمه الله): (كان واقفاً... و هو على كل حال ثقة صحيح الحديث معتمد عليه)[6]، وقال عنه الطوسي (رحمه الله): (كوفي صحيح الحديث سليم)[7]، ووصف في المرآة رواياته بالموثق[8]، والظاهر أنه نفسه كما في ملاذ الأخيار نقلاً عن الفاضل التستري[9]، وما عن السيد الخوئي (رحمه الله) في ذيل ترجمته: (وتأتي رواياته بعنوان: أحمد بن الحسن الميثمي، وبعنوان أحمد الميثمي، وبعنوان: الميثمي)[10]، كذلك ما في الخاتمة[11]، والله العالم.
عنبـسة العابد، والمراد به عنبـسة بن بجاد العابد، وهو ثقة أيضاً حيث ذكره النـجاشـي (رحمه الله) فقال: (كان ثقة قاضياً)[12]، كما نقل الكشي (رحمه الله) عن حمدويه عن مشائخه: (إنه كان خيراً فاضلاً)[13] كما أن العلامة[14] وابن داوود[15] ذكراه في القسم الأول من رجالهما.
إذاً فالرواية من جهة السند معتبرة بلا كلام.

الثانية: من جهة الدلالة:
وأما وجه الاستدلال بالرواية:
فإن المزاح في قوله (عليه السلام) : ( المزاح السباب الأصغر)؛ إما أن يكون مساوياً للسباب الأصغر، أي أن كل سباب أصغر هو مزاح والعكس، وأما أن يكون أخص من جهة وأعم من جهة -وهو الظاهر-.
فعلى التقدير الأول: يصح حمل المحمول في الرواية ـ وهو السباب الأصغر ـ على طبيعي المزاح، فيدل ذلك على حرمة المزاح بقول مطلق، لكونه سباباً بجميع أفراده، إلا أن يخرج عن ذلك في بعض الأقسام بدليل خاص أو عام ـ كالخروج الموضوعي ـ كما لو كان المزاح صادقاً وكان لإدخال السرور في قلب الآخرين بدون أن يتضمن جرحاً أو إهانة، فإنه لا يعد عرفاً سباباً أصغر، ويبقى الباقي تحت الحرمة، نعم القدر المتيقن من حرمة المزاح هو المزاح الكاذب الجارح، بل الجارح مطلقاً، بل قد يقال: و الكاذب مطلقاً، مع تأمل في كون الكاذب غير الجارح داخلاً في السباب.
وتحقيق ذلك: الظاهر أن الإمام (عليه السلام) في مقام بيان صغرى لكبرى السباب، وليس في مقام اختراع مصطلح جديد وتعبدنا به؛ فإن في قوله (عليه السلام) : (المزاح هو السباب الأصغر) احتمالين:
الأول: السباب الأصغر والأكبر مفهوم عرفي، والإمام (صلوات الله عليه) في مقام الإرشاد إلى أحد مصاديق السباب الأصغر، وهو المستظهر في المقام.
الثاني: الإمام (عليه السلام) يتعبدنا بمصطلح جديد، وأن المزاح سباب شرعاً، أي أن الإمام (عليه السلام) يبين لنا حقيقة مخترعة شارعية تفيد مساواة المزاح للسباب، أو كون المزاح أخص مطلقاً من السباب.
ولكن الاحتمال الثاني بعيد وذلك:
أولاً: لكونه مخالفاً للأصل؛ فإن الأصل هو عدم اختراع اصطلاح جديد في المفاهيم العرفية، والمزاح مفهوم عرفي كسائر المفاهيم، والاختراع يحتاج إلى دليل اثباتي.
ثانياً: لكونه مخالفاً لسيرة المعصومين (عليهم السلام) فالمتتبع لها يرى أن من النادر تصرفهم باختراع معنى جديد، كما في (الصلاة) المستظهر أنها حقيقة شرعية في ذات الأركان الخاصة، لكن مثل هذه الموارد نادر، خاصة على مسلك صاحب الجواهر والسيـد الوالد وآخرين (رحمهم الله)، حيث رأوا حتى مثل (الشهادة) باقية على معناها اللغوي ولا حقيقة شرعية فيها رغم تصرف الشارع فيها كثيراً في جعله شروطاً وقيوداً وموانع إضافية.
وعلى ذلك: فإنه في أي موردٍ ثبت اختراع الشارع أو تصرفه فهو، وإلا فالمعنى العرفي هو المرجع وهو الموضوع للحكم.
ولكن قد يقال: إن الإمام (عليه السلام) حيث كان في مقام التعريف فإن المدار سيكون على المعرِّف  لا المعرَّف، أي أن المدار على اللفظ الوارد في الروايات، فهو موضوع الحكم وعليه مداره، لا على تعريفه، وذلك كالغناء الوارد في الروايات، فإنه لو عُرِّف في اللغة وغيرها بـ: أنه الترجيع المطرب أو غيره، فإنه لتقريب الذهن، وليس التعريف وصدقه هو المدار، بل المدار هو على صدق الغناء عرفاً، فكل ما صدق عليه عرفاً فهو حرام، وإن لم يكن يصدق عليه تعريفه بأن لم يكن ترجيعاً مطرباً مثلاً، وبالعكس فإن ما كان ترجيعاً مطرباً ولم يصدق عليه أنه غناء، فهو جائز من هذه الجهة.
فتلك هي القاعدة، ولكن يستثنى من ذلك: ما لو كان التعريف وارداً في كلام الإمام (عليه السلام) نفسه، فإن المدار سيكون على التعريف؛ إذ الإمام (عليه السلام) هو العارف بحقائق الأشياء والمبين لحدودها وماهياتها وبدقة، ومعه يكون الاعتماد على التعريف والمدار عليه، إلا لو أحرزنا أن الإمام (عليه السلام) قد بنى على مسامحة في التعريف، وهي خلاف الأصل.
لكن قد يقال: إن القول بأن المدار على التعريف فيما لو ورد التعريف في الرواية، تام فيما لو كان الإمام في تعريفه مؤسساً لا مشيراً كاشفاً عن المعنى العرفي، والأصل هو الأخير؛ لأن التأسيس في ذلك مخالفٌ للأصل والسيرة.
وعليه: فإن اللام في (المزاح) للعهد الذهني العرفي لا للجنس، أي أن المزاح المعهود والمفهوم عند العرف هو السباب الأصغر، لا أن المراد بالمزاح حقيقة مخترعة من الشارع.
فالمستفاد من هذه الرواية ـ في نفسها ـ حرمة مطلق المزاح العرفي.
هذا ولكن الروايات التي تفيد حسن المزاح وتثني على المؤمن الممازح، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (ما من مؤمن إلا وفيه دعابة) قلت: وما الدعابة؟ قال (عليه السلام): (المزاح)[16]، فإنها تعارض بإطلاقها الرواية السابقة، المستفاد منها الحرمة المطلقة، فلا بد من الجمع بينها، وبه يظهر المراد منها.
ووجه الجمع بين الروايات ظاهراً هو: القول بأن المزاح على قسمين:
مزاح جارح، وهو مذموم، كاذباً كان أم صادقاً.
ومزاح مفرح مدخل للسرور على صاحبه، وهذا ممدوح.
أو فقل: المزاح بالحق ممدوح، والمزاح بالباطل أو بما يجرح فمذموم، فالمراد في الرواية الذامة هو المزاح الجارح فيحرم بخصوصه، وأما المزاح المفرح فممدوح على وفق الروايات المادحة.

والشاهد على وجه الجمع أمور:
الأول: مناسبات الحكم والموضوع
إن مناسبات الحكم والموضوع تقتضي تقييد المراد من (المزاح السباب الأصغر) بخصوص بعض أنواعه وهو الجارح، فإن المزاح موضوع عام، ولكن بملاحظة المحمول وهو السباب الأصغر يستفاد عرفاً تضييق دائرة الموضوع؛ إذ من الواضح أنّ المزاح إذا لم يكن جارحاً بل كان لطيفا محبباً مُدخِلاً للسرور فهو عرفاً ليس بسباب أصغر، ولا يصدق عليه بالحمل الشائع.
الثاني: الروايات المقسمة للمزاح
الشاهد الثاني على الجمع هو: ما ورد من الروايات الظاهرة في التقسيم :
ومنها: ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) من خصال المروة في السفر قال (عليه السلام): (وأما التي في السفر فكثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك و كتمانك على القوم سرهم بعد مفارقتك إياهم و كثرة المزاح في غير ما يسخط الله عز وجل)[17]، فإنه يظهر من هذه الرواية التفصيل في أنواع المزاح.
والمتحصل: أن الروايات الذامّة تنصرف إلى المزاح بالباطل؛ ومنه: المزاح كذباً، والمزاح الجارح الذي يدخل الترح في قلب المؤمن، والمادحة تنصرف إلى المزاح المفرح المدخل للسرور.

------------
[1] اقتباس من كتاب "حرمة الكذب ومستثنياته" لسماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي: ص٢٥٣ - ص٢٥٧.
[2] الكافي الشريف:ج٢ ص٦٦٤.
[3] الكافي الشريف:ج٢ ص٦٦٥
[4] رجال النجاشي: ص١٣٢
[5] رجال الطوسي: ص٤٢١
[6] رجال النجاشي: ص٧٤
[7] الفهرست: ص٥٤
[8] مرآة العقول: ج٣ ص٣٣٤، ج١٢ ص١٤٥.
[9] ملاذ الأخيار: ج٢ ص٥٥٣.
[10] معجم رجال الحديث: ج٢ ص٨٠.
[11] خاتمة مستدرك الوسائل: ج٤ ص٤٥.
[12]  رجال النجاشي: ص٣٠٢.
[13] رجال الكشي: ج٢ ص٦٧٠.
[14] رجال العلامة: ص١٢٩.
[15] رجال ابن داوود: ص٢٦٤.
[16] الكافي: ج٢ ص٦٦٣.
[17] الأمالي للشيخ الصدوق: ص٥٥١ - ٥٥٢.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3421
  • تاريخ إضافة الموضوع : 30 جمادى الأول 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 16