• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 248- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (6) .

248- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (6)

 

مباحث الاصول: (الحجج والأمارات)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة الرابعة عشر: إذا تردد الشيء  بين الحجة واللا حجة لا يمكن تنجيزه ؛ لكون التنجز فرع الالتفات؛ وتكليف غير الملتفت قبيح.
لا معنى للأمر باتباع شخص غير معين من مجموعة ، بل هو مستحيل من الآمر الملتفت ومن المأمور؛ فأما من الآمر فلعدم إمكان البعض نحو ما لا يمكن الانبعاث إليه من الملتفت لا يمكن تنجيز الأمر إذا كان مردداً بين الحجة واللا حجة؛ ألا ترى عدم أمكان تنجز الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وآله لو جهل وتردد بين من هو نبي ومن ليس بنبي لمن جهله ولم يكن له طريق إلى معرفته قصوراً؟ ضرورة كون التنجز فرع الالتفات؛ وقبح تكليف غير الملتفت إلا باعتبار اختيارية مقدمات قد قصر فيها؛ إضافة إلى أن الشك في الحجية موضوع عدم الحجية، وأما من المأمور فكذلك لأن الاتباع فرع الالتفات، فتأمل[1][2].

بحث تطبيقي:
ذكر الشيخ قدس سره من شرائط التكليف (الالتفات)، فهل هو الشرط الوحيد؟ أم هناك شروط أخرى مثل(احتمال التكليف) كما ذكره السيد العم دام ظله بقوله: (يجب على كل مكلف جمع شرائط صحة التكليف الشرعية من البلوغ وغيره، والعقلية من العقل والالتفات واحتمال التكليف وغير ذلك)[3].
مع وضوح أن قيد الالتفات لا يغني عن قيد الاحتمال؛ إذ قد يلتفت لكنه قاطع بعدم التكليف، فلا يعقل كونه مقسماً، للحالات الثلاثة، فتأمل[4].
نعم ، المراد بالاحتمال هو الاحتمال بنحو اللابشرط ليجتمع مع القطع حيث إنه متضمن له، وليس المعنى العرفي له الذي هو بشرط لا ، أو المراد الاحتمال البدوي الذي لا ينافي استقرار حالته النفسية بعده  على القطع أو الظن أو الشك، ولذا قال (فإما أن يحصل له..).
لا يقال: إن احتمال التكليف -  كالبلوغ والعقل-  متضمن في (مكلّف)؛ فإنه المأخوذ في عنوان الكلام (أن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي).

إذ يقال: الشروط قسمان:
القسم الأول: ما لا شأنية للعبد مع عدمها لكي يكلف، وذلك كالعقل، وهذا متضمن في (مكلف)، إذ لولاها، لم يكن مكلفاً[5].
القسم الثاني: ما له شأنية قريبة مع عدمها إلا أنه لا يتوجه إليه التكليف الفعلي أو المنجز بدونها؛ وهذا مشترك بين غير الملتفت وغير المحتمل؛ ولذلك فسر الميرزا الشيرازي قدس سره (المكلف) في كلام الشيخ قدس سره بأنه الجامع لشرائط الخطاب؛ فقال : ومراده قدس سره من المكلف ليس الذي تنجز عليه الخطاب؛ لامتناع كونه مقسماً بين الملتفت وغيره[6].
لا يقال: إن غير الملتفت وغير المحتمل ليس جامعاً لشرائط الخطاب ولا يصح خطابه للغويته.
إذ يجاب: أنه شأناً جامع لها وهي المراد ـ أي الشأنية هي المراد ـ وأما من لا عقل له فلا شأنية له؛ ولذلك عبر الآخوند أيضاً بـ(البالغ الذي وضع عليه القلم)[7]، والعراقي بـ(كل من وضع عليه قلم التكليف)[8] ؛ فإن غير الملتفت وغير المحتمل كليهما جامع لشرائط الخطاب وقد وضع عليه القلم أو (قلم التكليف)، كما أن كليهما لم يتنجز عليه الخطاب[9] عكس غير العاقل أو غير البالغ.
والسر أن غير العاقل مثلاً لا مقتضي لتكليفه، أما العاقل البالغ فإن المقتضي فيه موجود، والاحتمال والالتفات شرطا التنجز، ولذا لو لم يحتمل أو يلتفت كان معذوراً[10].
بل قد يقال: إن قيد (إذا التفت) لا داعي له لأنه متضمن في (المكلَّف)؛ فإن ظاهره الفعلية لا الشأنية[11]؛ فالأولى القول: (إن المكلف إما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك).
إلا أن يقال: ظاهره الفعلية لا التنجز وبالالتفات يتنجز وكذا بالاحتمال؛ ولذا فإن عليه القضاء لو لم يكن ملتفتاً أو محتملاً حينها [12].

الفائدة الخامسة عشر: أن الحجة لا يشترط في تماميتها أن تكون فعلية في حق كل شخص ؛ وإنما يكفي أن تكون تامة نوعاً ؛لأن قانون الامتحان يقتضي امكان المخالف بإرادته ؛ وإلا إذا أشترط فيها عدم المخالف لزم من ذلك الجبر.
إن الإجماع أو الشهرة العظيمة انعقدت على حرمة بعض العناوين كالقياس؛ وهذا يكشف على أن الحجة كانت تامة وأن الرادعية كانت كافية ووافية وإلا لما انعقد الإجماع أو الشهرة العظيمة على الحرمة أو على وفق تلك العناوين كالاجتهاد وقسيميه.
لا يقال: إن البعض قد خالف في بعض تلك العناوين؟
فإنه يقال: إن مخالفة الأقلية[13] لا يقدح في تمامية الحجة ولا يضر بما كان مقتضى القاعدة على الحكيم أن يقوم به من الردع الواضح الصريح .

إن قلت :هذا مدعى فأين الدليل؟
قلت: إن إتمام الحجة يراد به عقلاً إتمام الحجة النوعي ، ولا يلزم في الحجج أن تكون تامة على كل شخص بما هو شخص ؛ إذ من أوضح البديهيات هي أحكام العقل الفطرية كوحدانية الله وعدله  ومع ذلك نجد في كافة أقسام البديهيات الستة مخالفاً؛  فطائفة لا ترى الله واحداً ، وطائفة لا تراه عادلاً  كالأشعري.
والحاصل : أن الحجة لا يشترط في تماميتها أن تكون فعلية في حق كل شخص شخص بحيث لو خالف البعض لقدح في حجيتها ؛ بل أن تكون الحجة تامة نوعاً ؛ بحيث لو أن الشخص خلى وطبعه وتلك الحجة - ولم يكن هناك مانع من هوى أو عصبية أو تربية فاسدة أو غير ذلك - لرأى البرهان تاماً.
وعليه : فلا يستشكل بوجود بعض المخالفين في حرمة التنجيم أو القيافة في بعض مراتبها ؛ لأن هذا الخلاف لا يضر؛ وإلا فإن الخلاف موجود حتى في البديهيات أو الحسيات ، أو في المتواترات كما أنكر بعض المسلمين بعض معاجز النبي صلى الله عليه وآله كانشقاق القمر [14] وهو من المتواترات[15].
 
بحث تطبيقي:
قد يطرح البعض عدم تمامية الحجة على الأمة بنصب أمير المؤمنين عليه السلام بالقول: إنه ألم يكن بمقدور الرسول صلى الله عليه وآله أن يقيم من الحجج ما يزيل به الخلاف عن هذا الأمر ؟
والجواب:  أنه لا يشترط في (الحجية) امتناع المخالفة وإلا لزم الجبر ، كما لا يشترط فيها عدم وجود المخالف بالفعل وإلا لنقض عليهم برسالة الرسول صلى الله عليه وآله والأنبياء السابقين عليهم السلام ؛ وأنه ألم يكن بمقدور الله جل وعلا أن يقيم من الحجج ما يمنع الخلاف والاختلاف؟ ولكن معادلة الامتحان تقتضي امكان المخالفة بإرادتهم وعدم الجبر؛ وقوله تعالى : (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [16] ينتج فعلية المخالفة أيضاً ، وقوله تعالى : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾[17] .
وبعبارة أخرى : أنه يكفي في الحجية أن العبد لو التفت إليها من غير هوى أو تعصب أو سبق شبهة لأذعن ، وهذا في مورد الاجتهاد والتقليد والاحتياط جارٍ ؛ فلا يستشكل علينا : أن الشارع كيف لم يبلغ عدم ردعه أو إمضاءه للاجتهاد والتقليد والاحتياط بحيث يحول دون وجود مخالف كالأخباري ، هذه هي الكبرى مع تطبيقها على المقام[18].

الفائدة السادسة عشر: أن كثرة تصرف الشارع في الحجج العقلائية لا  يجعل مجالاً بصحة القول: بأن أذهان العقلاء مرآة للشارع وحججه.
لا وجه لتوهم أن أذهان العقلاء مرآة للشارع وحججه؛ إذ اتضح أنه لا مجال لذلك بعد كثرة تصرف الشارع في الحجج العقلائية، إما بنفي أصل حجيتها[19] ، وإما بأخذ قيد أو نفيه في حدودها[20] مما يخرجها بذلك عن دائرة ما يفهم العقلاء ـ قبل فحصهم عن حال حجج الشارع ـ  عن كونه حجة لديه أم لا، وإذا كان حجة فبأي قيد؟ اللهم إلا ما أمضاه الشارع من الحجج العقلائية بما هي هي[21] ، فتأمل[22][23].

بحث تطبيقي:
قال في بيان الفقه : إنّه لو سُلّم أنّ الملاك – أي الملاك في تقليد الأعلم- إنّما هو الأقربية إلى الواقع بحيث انصرف الأمر والنهي إليه لبّاً وواقعاً، ولم يكن لنا طريق إلى الكشف عن الأقربية عند الشارع إلاّ نظرنا نحن ـ كما هو كذلك ـ كان نظرنا مرآة لنظر الشارع، نظير ما يقال في الظواهر: من أنّ الظهور يكشف ـ بنظرنا ـ أنّ الشارع أراد كذا، فيكون نظرنا مرآة وكاشفاً لنظر الشارع، لأنّ طرق الإطاعة والمعصية عقلائية إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق[24].
والجواب: إن ههنا أموراً أربعة:
أولاً:  الأقرب بنظر الشارع[25].
وثانياً: والأقرب بنظرنا.
وثالثاً: الأقرب بنظر الفقهاء.
ورابعاً:  الأقرب الشارعي.
والثلاثة الأولى من عالم الإثبات، والأخير يراد به ما هو في عالم الثبوت.
توضيح ذلك: إنه تارة يكون الواقع هو الملاك فيكون نظرنا مرآة له مباشرة أو يكون نظرنا- أو نظر الفقهاء مرآة-  لنظر الشارع إليه، كما يكون ظاهر ألفاظ الشارع مرآة ودالاً عليه، وتارة أخرى تكون الحقيقة الشرعية هي الملاك وهي المدار فلا تؤخذ عندئذٍ إلا من الشارع؛ لأنه المخترع لهذه الحقيقة؛ وذلك كأية جهة اخترعت حقيقة، فإن المرجع يكون تلك الجهة لا غير ، فكما توجد حقيقة شرعية في الأحكام والمتعلقات ولا تؤخذ إلا من الشارع، كذلك توجد[26] حقيقة شرعية في الحجج فلا تؤخذ إلا منه.
والمقصود بالحقيقة الشرعية في الحجج ما اعتبرها الشارع حجة[27] لا لمحض جهة الطريقية، بل لأنه لاحظ سائر المزاحمات والمصالح الأخرى كما سبق بيانه مكرراً[28] ؛ وحينئذٍ فهذا الواقع[29] شارعي ثبوتي، أي: إن الشارع تصرف في الواقع[30]، فجعل المركب من الطريقية والموضوعية هو مدار حكمه بالحجية، أي: بلزوم الاتباع أو المنجزية والمعذرية، وحينئذٍ فلا يؤخذ إلا منه، ولا يكون نظرنا أو نظر الفقهاء من دون عود للشارع نفسه حجة فيه؛ إذ لا نعلم ولا نحيط بمجموع ما لاحظه الشارع في الحجية، وهذا القسم هو مورد نظر الفقه، والذي يدل عليه تمثيله بالقياس[31]، فإنه كذلك، فتأمل[32]، والله العالم.
والحاصل: إنه في غير الأخير يصح القول: إن الأقرب بنظر الفقيه مرآة للأقرب بنظر الشارع[33]، وهو محط نظر السيد العم دام ظله .
وأما في الأخير فلا يصح القول: إنّ الأقرب الفقهائي أو الأقرب بنظرنا مرآة للأقرب الشارعي، وهو مرمى نظر السيد الوالد قدس سره ، فكلام كل منهما صحيح في بُعده وحقله، والنقاش على هذا لفظي أيضاً.
والذي يدل على أن مراد (الفقه) هو الأقرب الشارعي والحقيقة الشرعية في الحجج، وأن مقصوده أن الشارع قد تصرف في مرحلة الثبوت، وأنه اعتبر الحجة  ـ أي: المنجّز والمعذِّر واللازم الاتباع ـ خصوص المركب من جهتي الطريقية والمزاحمات من المصالح السلوكية وفي المتعلقات، قوله:( وأما الكبرى: فلأنا لا نسلم أن المعيار في باب الحجية...) إذ ظاهره المعيار الثبوتي  وهو الذي عبرنا عنه بالأقرب الشارعي ، لا عالم الإثبات  الذي عبرنا عنه بالأقرب بنظر الشارع .
وقوله: (لاحتمال ملاحظة الشارع جهة لا تصل إليها عقولنا) ظاهره ملاحظته جهة أخرى مزاحمة لجهة الطريقية، وما هي إلا المصالح الأخرى السلوكية أو في المتعلقات، التي تزاحم جهة الأقربية للواقع، ويؤكده تمثيله بالقياس، فإن الملاكات حيث جهلناها لم نعلم وجهَ عودةِ ديةِ أصابع المرأة من المساواة إلى النصف إذا بلغت ثلث دية الرجل، وهذا هو الظاهر منه،  لا أن  القياس ليس أقرب للواقع المحض لجهة طريقية خفيت علينا، فتأمل[34].
 
الفائدة السابعة عشر:  أن ضم اللاحجة إلى  اللاحجة قد ينتج منه الحجية؛ لأن أحدهما  يكون فاقداً للحجية بشرط لا ، ولكنه بشرط شيء  يكون واجداً لها.

بحث تطبيقي:                                                 
قد يقال: أن ضم رأي المفضول  إلى رأي الأعلم من الأموات ينتج الحجية.
وفيه: أن ضم اللاحجة إلى اللاحجة لا ينتج الحجيةَ، إضافة إلى وضوح أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، فكيف لو كانتا معاً أخس؟
ولكن يمكن الجواب عنه بوجوه نذكر واحداً منها :
وهو : أن ضم اللاحجة للاحجة قد ينتج الحجية ؛ كما أن ضمّ الفاقد التكويني لفاقد آخر قد ينتج أمراً كان كل منهما فاقداً له، والسر إن أحد الأمرين أو الأمور أو أحد الجزءين قد يكون فاقداً بشرط لا لكنه بشرط شيء واجد، وإما لا بشرط فهو ممكن الطرفين إثباتاً، وهو أحدهما ثبوتاً.
وتوضيحه: أما في عالم التكوينيات: فإن أحد أجزاء الدواء المركب من عشرة أجزاء، كسائر الأجزاء منفردة، ليس بواجد لخاصية الشفاء والعلاج إذا كان وحده، أي: بشرط لا، لكنه بشرط شيء أي: منضماً لغيره ـ وبشرط النسبة والتركيب والمزج الخاص ـ واجد، فلم تنثلم القاعدة العقلية المعروفة (فاقد الشيء لا يعطيه) فإنه بشرط شيء واجدٌ.
وكذلك كل مركب حقيقي أو اعتباري، فإن أجزاءه منفردة فاقدة للعلة الصورية وللهيئة الاعتبارية، لكن كل جزء بشرط انضمامه إلى البعض الآخر واجد لها، فمثلاً البناء (من دار أو قصر) فإن كل آجرة فاقدة لصورة البيتية، فلا يقال: كيف أصبح كل الأجزاء ـ وليس إلا الأجزاء بعينها ـ واجداً للهيئة والصورة البيتية مع أن فاقد الشيء لا يعطيه؟ إذ ظهر أن كل آجرة بشرط لا فاقدة، وبشرط شيء واجدة.
وأما في عالم الحجج: فالأمر كذلك أيضاً، فإن التواتر ـ وهو إخبار جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه ـ مركب من آحاد، وقد يكون كل واحد منهم فاسقاً؛ إذ لا يشترط في التواتر وثاقة أو عدالة أي واحد منهم، لكنه مع ذلك يفيد العلم، مع أن آحاده لا تفيده، بل حتى لو اشترطنا الوثاقة في أفراده فإن الثقة الواحد لا يفيد قوله العلم عادةً عكس اجتماع مجموعة ثقات بلغوا حد التواتر.
والسر ما سبق من أن الواحد من المخبرين فاقد إذا كان بشرط لا، وواجد إذا ضم إليه غيره حتى بلغ حدّ إفادة العلم بنفسه، فهو بشرط شيءٍ واجدٌ.
وكذلك الحال في البينة، فإن أحد الشاهدين ليس بحجة وكلاهما حجة.
وكذلك المقام، فإن قول المفضول ليس بما هو هو أقرب وليس بحجة لكنه يصبح ببركة ضم قول المشهور له، أو ضم رأي الأعلم الميت أو الفاسق له، أقرب للواقع وحجة[35].
 
الفائدة الثامنة عشر: أن مفاد  الحجية لا ينحصر بقيام  الدليل على حكم شرعي  أو  رأي الفقيه لبيان حكم شرعي، بل أن مفادها يشمل مطلق نظر الفقيه؛ لانطباقها عليه وصحة الاحتجاج به.
قال المحقق الاصفهاني قدس سره: إن مفاد الحجية صحة الاحتجاج بالشخص أو بالشيء في مقام المؤاخذة على مخالفة ما قامت عليه الحجة[36]، فيناسب قيام الدليل على حكم شرعي سواء كان إخبار الراوي أو رأى المجتهد ونظره ، وأما مطلق النظر كنظر الفقيه في بيع مال اليتيم فلا معنى لاتصافه بالحجية ، فإن البيع الواقع عن مصلحة بنظره صحيح نافذ لا أنه حجة له أو لغيره على أحد،  فما في طي كلامه قدس سره -  من أن يناسب الأمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر - وإن كان صحيحاً في الجملة إلا أنه لا دخل له بكل رأي ونظر كما لا يخفى على أهل النظر فتبصّر[37].
ولكن يرد عليه[38]:أن كون مفاد الحجية هو ذلك لا يقتضي انحصارها في قيام الدليل على حكم شرعي، بل تشمل مطلق النظر حتى نظر الفقيه في بيع مال اليتيم[39]؛ لانطباق مفادها عليه؛ إذ يصح الاحتجاج بنظر الفقيه - الذي تشمله كلمة الشيء-  في مقام المؤاخذة على مخالفة الآخرين مقتضى هذا النظر وما أدى إليه وما قامت عليه وهو البيع في المثال، فلو أدى نظر الفقيه إلى بيع مال اليتيم الفلاني لم يحق لأحد مخالفته وممانعته، ولو خالفه ومانعه صح احتجاج المولى بنظر الفقيه على مخالفة زيد مثلاً لبيعه[40]، وجازت له عقوبته إن حال دون ذلك، وكان متجرياً إن توهم - أي زيد- أن عمله الكذائي حائل ، ولعل منشأ الاشتباه الخلط بين المقتضي والمقتضى؛ إذ الأول موصوف بالحجية لا الثاني.
وبذلك يظهر ما في قوله (وأما مطلق النظر كنظر الفقيه في بيع مال اليتيم فلا معنى لاتصافه بالحجية، فإن البيع الواقع عن مصلحة بنظره صحيح نافذ لا أنه حجة له أو لغيره على أحد) إذ الحجة هو النظر لا البيع، والمدعى كون نظر الفقيه حجة[41] كما أن نظر مسلّم الولاية والقيمومة كالأب حجة؛ لأن (إنهم حجتي عليكم) يشمل القول والنظر وغيرهما ، أي فإن قولهم ونظرهم و... حجتي عليكم كما سبق بيان التعميم .
وبذلك ظهر أن الحجية أعم ؛  إذ يحتج برأي الفقيه أصلحية هذا الشخص من ذاك [42]، وكذا يحتج بولايته على مخالف مقتضاها[43] بأن له إقامة الحدود مثلاً على من يحول دون ذلك أو من يريد هو إقامتها، وبمطالبته الخمس على مانع الإعطاء، وبفصله للخصومة على من لم يلتزم به من الطرفين؛ كأن قضى بالدار لهذا فلم يسلمها ذاك له، فإنه محاسب ومخالف لمقتضى الحجة.
وكذا يحتج بفعله كبيعه مال اليتيم على من يحول دون ترتيب الآثار ؛ وبهذا ظهر أن البيع أيضاً يتصف بالحجية -حسب تعريف الأصفهاني قدس سره- إذ يصح الاحتجاج ببيع من له البيع في مقام المؤاخذة على مخالفة ترتيب الآثار الذي اقتضته الحجية، وكذا كافة الأحكام الوضعية تتصف بالحجية أيضاً إذ يحتج بملكه على من تصرف فيه بلا مسوغ، وهكذا.
وكذا يحتج بذات الشخص أو الشيء[44] فنفس وجود الإمام عليه السلام حجة وإن لم يتصرف ولم يتكلم إذ نفس وجوده يحتج به على الجائر الحاكم، إذ كيف يتولى المنصب مع وجود من له المنصب؟ كما يحتج به على الأمة، إذ كيف لم تسع الأمة لإعطائه حقه؟ وكيف ولّت من ليس أهلاً؟ إلا أن يقال بإرجاع ما سبق إلى الحكم التكليفي ، فتأمل.
وسنذكر مجموعة من الأحاديث الشريفة التي تدل أو تؤيد كون الحجية أعم من ذلك:
قال أمير المؤمنين مولى الموحدين عليه السلام: ((فيالها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وأن تؤديه أيامه إلى الشقوة))[45].
وقال عليه السلام: ((أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر))[46] .
وقال عليه السلام: ((وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم... وإني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم))[47] .
وقال عليه السلام: ((وألقى إليكم المعذرة وأتخذ عليكم الحجة وقدم إليكم بالوعيد))[48] .
وقال عليه السلام: ((وأعذروا من لا حجة لكم عليه وهو أنا))[49].
وقال عليه السلام: ((وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته... وما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته فظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعه وأعلام حكمته فصار كل ما خلق حجة له ودليلاً عليه وإن كان خلقاً صامتاً فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة))[50] .
وقال عليه السلام: ((وأن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله بل الحجة عليه أعظم والحسرة له ألزم))[51] .
وقال عليه السلام: ((بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه وجعلهم حجة له على خلقه))[52] .
وقال عليه السلام: ((وإنما الناس رجلان متبع شرعه ومبتدع بدعة، ليس معه من الله سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة))[53] .
وقال عليه السلام: ((فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه))[54] .
وقال عليه السلام: ((وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم))[55].
وقال عليه السلام: ((ثم انظر في أمور عمالك... وتوخ منهم من أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة... ثم اسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم أن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك))[56] .
وقال عليه السلام: ((وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخر))[57].
وقال عليه السلام: ((والفقر يخرس الفطن عن حجته))[58] .
وقال عليه السلام: ((أرسله بوجوب الحجج وظهور الفلج))[59].
وقال عليه السلام: ((يا أيها الناس إنه لم يكن لله سبحانه حجة في الأرض أوكد من نبينا محمد صلوات الله عليه وآله))[60] .
وقال الصادق عليه السلام: ((ما من عبد إلا ولله عليه حجة، إما في ذنب اقترفه وإما في نعمة قصّر في شكرها))[61].
وقال عليه السلام: ((لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته))[62] .
وقال عليه السلام: ((لم تخل الأرض منذ كانت من حجة عالم يحيى فيها ما يميتون من الحق))[63].
وقال علي عليه السلام: ((اللهم لابد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة... لئلا يتفرق أتباع أوليائك ظاهر غير مطاع أو مكتتم خائف يترقب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم في دولة الباطل فلن يغيب عنهم مبثوث علمهم وآدابهم))[64] .
وقال الإمام الباقر والصادق والرضا عليهم الصلاة والسلام: ((إن الحجة لا تقوم لله عزَّ وجل على خلقه إلا بإمام حي يعرفونه))[65][66].


-------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] أقول ومن وجوه هذا التأمل سيتضح في البحث التطبيقي.
[2] فقه الشورى :ص233.
[3] بيان الفقه في شرح العروة الوثقى: الاجتهاد والتقليد، ج1، ص18.
[4] إذ كون بعض (من التفت) قاطعاً، لا يضر بكون (الملتفت) مقسماً للحالات الثلاثة.
[5] لا فعلاً ولا شأناً.
[6] تقريرات المجدد الشيرازي: ج3 ص221.
[7] كفاية الأصول: أول المقصد السادس.
[8] مقالات الأصول: ج2 ص10.
[9] فيما لو لم يكن مقصراً في المقدمات؛ وإلا فإن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.
[10] إلا لو كان مقصراً كما سبق.
[11] فتأمل.
[12] المبادئ التصورية للفقه والأصول: ص 157.
[13] أو الشاذ.
[14] وقد ذكره تعالى بقوله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ سورة القمر الآية الأولى ، وجاء في كتب الحديث من الخاصة والعامة ؛ فمن كتب العامة ، صحيح البخاري : ج6 ص 52 ، وصحيح مسلم : ج3ص 21 ، ومسند أحمد : ج1 447 ، وسنن الترمذي : 5 ص 72  وغيرها ، بأحاديث كثيرة صححوها .
[15] الاجتهاد والتقليد: ص 446.
[16]سورة البلد: 10.
[17] سورة النمل : 14.
[18] الاجتهاد والتقليد: ص 448.
[19] كالقياس والشهادة الثالثة وغير ذلك.
[20]  كالبينة واليد والسوق وقول المقوّم الأعلم... الخ ـ
[21] كخبر الثقة على تأمل فيه أيضاً كما سبق.
[22] إذ ما ذكر من الاحتمال لا ينفي وجدانية حصول الظن الأقوى من قول الأعلم فتأمل؛ إذ على الطريقية المحضة الأمر كذلك، لكنها غير معلومة لاحتمال وجود جهات موضوعية؛ (ولذا اعتبر الشارع نظر الفاسق غير حجة وغير ذلك) مزاحمة، فتأمل.
[23] تقليد الأعلم: ص 278
[24] بيان الفقه: ج 2ص27.
[25] والمقصود: حسب ما تدل عليه أدلته وظواهر ألفاظه.
[26] أو إذا وجدت فإنها لا تؤخذ إلا منه.
[27] أي: لازمة الاتباع، أو منجزّة معذرة أو حتى تمّم كاشفيتها.
[28] أو ما أسقطه عن الحجية كذلك.
[29] أي: ما هو حجة واقعاً لدى الشارع.
[30] بل له أن ينشئ واقعاً جديداً في الحجج بأن يجعل ما ليس بحجة أصلاً لدى النوع حجةً (كالأحلام والرمل والاسطرلاب و...) لكن هذا الفرض لا واقع له.
[31] فإن الشارع ألغى حجيته ولعله لملاحظته جهات مزاحمة. نعم، يحتمل أن يكون إلغاؤه حجيته لصرف معرفته بعدم طريقيته، وعليه يعود إلى الصورة الأولى (ما كان الواقع مداراً وملاكاً والشارع كاشفاً)، فتأمل.
[32] إذ قد يقال: ومع ذلك فإن نظرنا مرآة لنظر الشارع.
وفيه: إنه لا يصح ذلك إلا بعد الفحص في  أدلة الشارع، فإذا وجدناه لم يذكر جهة موضوعية عرفنا أنه لم يعتبرها، لكن بعد إحراز كونه طريقاً عقلائياً محضاً في حد نفسه، فيكون نظرنا عندئذ مرآة، وهذا ـ  أي لزوم الفحص أولاً في كل دليل دليل على حجية كل أمارة أو طريقة ـ هو المطلوب بنفسه، فتدبر.
[33] فإن الواقع هو الذي عليه المدار وعليه فللفقيه ـ لكونه من أهل الخبرة ـ رؤيته، ومرآتية نظره لنظر الشارع لا موضوعية لها حينئذٍ، فتأمل.
[34] تقليد الأعلم : ص 178
[35] تقليد الأعلم :ص 153.
[36] أو ما اقتضته الحجة -والمراد واحد- فتأمل.
[37] حاشيته على المكاسب: ص214.
[38] لا يخفى أن تطرقنا في طي كلماتنا هنا إلى إشكالات بنائية ومبنائية عليه فليدقق.
[39] وحتى نظره بأن الأصلح لتولّي هذا المحافظة زيد ولتلك عمرو... وهكذا.
[40] يتضح هذا بملاحظة من له النظر في أمر كالقيم والمتولي وشبههما،  فلو أراد الأب بيع مال ابنه أو تزويجه -بالشروط المقررة- لم يجز لأحد مخالفته ومنعه؛  لكونه منعاً عما هو حقه وصح احتجاج المولى على هذا المخالف - لمانع-  بأن حق النظر للأب فلماذا خالفته ومانعته ولماذا حلت دون البيع والزواج -مثلاً- وقد أدى إليه نظر الأب؟.
[41] وقد علل قدس سره عدم اتصاف نظر الفقيه بالحجية بأن البيع الواقع بنظره لا يوصف بها! والبيع مسبب والنظر سبب وليس عدم اتصاف الأول بشيء مسبباً لعدم اتصاف الثاني به كما يتصف الخبر بالخبرية ولا يتصف المخبر عنه بها، وكما يتصف الدال على وجوب الصلاة مثلاً بالدليلية ولا يتصف وجوبها بها وهذا واضح.
[42] بناءً على حجيته .
[43] يوضحه أحاديث عديدة منها الثالث عشر والسادس عشر والواحد والعشرون وغيرها فتأمل.
[44] يوضحه الحديث الثالث عشر والسادس عشر كما يرشد إليه الحديث العشرون لمكان التعليل، إذ إن نفس وجود الحجة عجل الله تعالى فرجع الشريف حافظ للأولياء عن التفرق -كما أن قوله وفعله أيضاً حافظان- ويتضح هذا بمراجعة تاريخ العظماء والقادة، ومن أظهر الأمثلة له: وفاة  النبي صلى الله عليه وآله ووفاة الإمام الصادق عليه السالم حيث تكونت فرقة الاسماعيلية وغيرها ووفاة الإمام الكاظم عليه السلام حيث تكونت الواقفية وغيبة الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه وهكذا، وكذا الحديث الثاني والسادس والعاشر.
[45] نهج البلاغة: الخطبة 64.
[46] نهج البلاغة: الخطبة 3 (الشقشقية).
[47] نهج البلاغة: الخطبة 22.
[48] نهج البلاغة: الخطبة 86.
[49] نهج البلاغة: الخطبة 87.
[50] نهج البلاغة: الخطبة 91 (الأشباح).
[51] نهج البلاغة: الخطبة 110.
[52] نهج البلاغة: الخطبة 144 (مبعث الرسل).
[53] نهج البلاغة: الخطبة 176.
[54] نهج البلاغة: الخطبة 183.
[55] نهج البلاغة: الكتاب 14.
[56] نهج البلاغة: الكتاب 53 (عهده لمالك الأشتر).
[57] نهج البلاغة: الكتاب 55.
[58] نهج البلاغة: قصار الحكم 3.
[59] نهج البلاغة: الخطبة 185.
[60] غرر الحكم.
[61] تنبيه الخواطر: ص403.
[62] الكافي: ج1 ص168.
[63] بحار الأنوار: ج23 ص37 عن إكمال الدين.
[64] بحار الأنوار: ج23ص54 عن الغيبة للنعماني.
[65] بحار الأنوار: ج23ص30 والاختصاص: ص2.
[66]  شورى الفقهاء: ص 183.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3024
  • تاريخ إضافة الموضوع : 24 جمادى الأولى 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 05 / 23