• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : المكاسب المحرمة (1434-1435هـ) .
              • الموضوع : 135- تتمة : الكمال والنقض صفتان للفعل كما هما للصفات تتمة : الاقتضاء اما ذاتي او بسبب الشارع او العقلاء او ... و ـ ما تبانى العقلاء على حسنه زـ او العرض الخاص او العام ح ـ او ما حسنه الشارع ط ـ ما لاحرج فيه ي ـ الحُسن : مطابقة بعض العوالم الأربعة اللاحقة للسابقة ، وعكسه .

135- تتمة : الكمال والنقض صفتان للفعل كما هما للصفات تتمة : الاقتضاء اما ذاتي او بسبب الشارع او العقلاء او ... و ـ ما تبانى العقلاء على حسنه زـ او العرض الخاص او العام ح ـ او ما حسنه الشارع ط ـ ما لاحرج فيه ي ـ الحُسن : مطابقة بعض العوالم الأربعة اللاحقة للسابقة ، وعكسه

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 
 
لازال الحديث حول الاستدلال بالعقل على حرمة الكذب بقول مطلق والإشكال الذي أورده عدد من الأعلام على ذلك من أن العقل لا يحكم - او لا يدرك - بقبح الكذب بقول مطلق، بل يدرك قبحه لو كان ذا مفسدة فقط وإلا فلا قبح ولا حرمة. 
 
واجبنا عن ذلك بتربيع أقسام أسباب حكم العقل بالتحريم والتقبيح هذا أولا، ثم بتعدد معاني الحسن والقبح ثانيا، وقلنا ان الحسن والقبح تارة يراد بهما الملائمة و المنافرة إما للنفس او الجسد او الروح او العقل، وأخرى يراد بهما الموافقة للمصلحة أو المفسدة والتي إما ان تكون شخصية او نوعية او مقيسة لجهة ما، وتارة ثالثة يكون معنى الحسن والقبح هو الكمال والنقص 
 
إضافة ودفع توهم: الكمال والنقص يتصف بهما بعض الأفعال أيضاً 
 
ونضيف لما سبق: ان البعض توهم أن الكمال والنقص هما مما يختصان بالصفات وعليه سيكون البحث - بناءا على هذا - أجنبياً عن مقامنا ؛ لان كلامنا هو عن التحسين والتقبيح العقليين للأفعال، 
 
ولكن الحق هو إن الكمال والنقص هو مما تتصف به بعض الأفعال أيضاً، كطاعة العبد سيده تبارك وتعالى، فان الطاعة فعل من الأفعال وهي كمال، وعصيانه فعل أيضا وهو نقص وقبيح, وكذلك في مثال آخر - وهو من الامثلة المعروفة وسنشير له فيما بعد - وهو صدور الكذب من الله تعالى فانه قبيح, لأنه نقص فهو ممتنع. 
 
المعنى الخامس: الانبغاء بأقسامه 
 
وأما المعنى الخامس فهو الانبغاء بشُعَبِه التي أضفناها، فان الانبغاء اما للفعل او الاتصاف او الوجود، وقلنا إن الأولى التعبير بما هو سابق رتبة، أي الاقتضاء فان الانبغاء المتأخر متفرع عن الاقتضاء المتقدم.([1]) 
 
أقسام الاقتضاء: أربعة أقسام 
 
ونضيف هنا: إن الاقتضاء على أربعة أقسام، وهذا هو محل النزاع بين الأصوليين والفلاسفة والاخباريين و الاشاعرة، وهذه الأقسام هي: 
 
أولا: الاقتضاء الذاتي 
 
بمعنى إن الشيء بذاته يقتضي الحسن، هذا هو الرأي الأول وقد ذهب إليه جمهرة كبيرة من الأصوليين([2])، وذلك كالعدل فان اقتضاءه للحسن ذاتي وليس موقوفا على لحاظ تطابق آراء العقلاء أو على نفس التطابق بحيث لولا هذا التطابق أو اللحاظ لما كان العدل حسناً في ذاته، وهذا الكلام باطل بالضرورة . 
 
ثانيا: حسن الفعل نظراً لتوافق وتطابق آراء العقلاء([3]) 
 
وأما القسم الثاني فهو إن يكون حسن الفعل لا لذاته وإنما ببركة توافق وتطابق آراء العقلاء و تبانيهم عليه، هذا هو رأي الشيخ بو علي بن سينا وتبعه على ذلك العلامة المظفر. 
 
ثالثا: حسن الفعل شرعي([4]) 
 
وأما الرأي الثالث فهو يرى أن حسن الفعل ليس لذاته ولا بسبب تباني العقلاء عليه، وإنما بسبب ان الشارع قد حسَّنه، وهذا هو رأي الاشاعرة حيث قالوا إن الحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبحه، وفرق هذا عن الفيلسوف: إن الاشعري يرهن الحسن بالشارع، بخلاف الفيلسوف فانه يرهن الحسن بتباني العقلاء, والجامع بينهما: انه لا واقعية ثبوتية للحسن والقبح وراء اعتبار الشارع وتطابق العقلاء. 
 
وعليه : فان الشارع لو قال إن الكذب حسن فسيكون كذلك – بحسب الاشعري – ولو قال إن الظلم حسن فسيكون حسناً، وهذا الكلام باطل وهو خلاف البديهة والوجدان. 
 
رابعا: رأي الاخباريين: الشارع كاشف عن الحسن او القبح الذاتي 
 
وأما الرأي الرابع فهو رأي الاخباريين وهذا الرأي بحقيقته ليس قسيما للآراء الثلاثة المتقدمة([5])، فانهم يقبلون بان الحسن والقبح ذاتيان ولكن يقولون إن عقلنا لا طريق له لاكتشاف حسن الشيء او قبحه الا عن طريق الشارع؛ وذلك إن العقل قاصر عن الإحاطة بكل الجهات, 
 
إذن : الاخباري يقبل الحسن والقبح الثبوتين ولكن يقول الطريق إثباتا منحصرا بالشارع. 
 
والمتحصل : ان المعنى الخامس للحسن هو الاقتضاء الذاتي او الشارعي او العقلائي، وعليه فان الكذب قبيح بالجهات الثلاثة([6]). 
 
المعنى السادس: ما تطابقت عليه آراء العقلاء 
 
وقد فصلنا الحديث عنه في العام الماضي فراجع 
 
المعنى السابع: ما تباني العرف العام او الخاص عليه 
 
وأما المعنى السادس للحسن والقبح فهو ما تبانى العرف العام او الخاص على حسنه فهو حسن وإلا فلا([7]), كعالم يلبس لباس الجندي في غير وقت الحرب عبثا، او ما أشبه، فان ذلك من منافيات المروءة، وهذه عرفية والأعراف تختلف بحسب المكان والزمان([8]). 
 
المعنى الثامن: الحسن والقبح شرعيان: ما حسّنه الشارع أو قبحه 
 
وأما المعنى السابع فهو ان الحَسَن ما حسّنه الشارع والقبيح بعكسه, وقد اشرنا إلى ذلك. 
 
المعنى التاسع: وهو ما أشار إليه البعض من ان القبيح هو ما تضمن او استلزم الحرج وإلا فهو حسن. 
 
المعنى العاشر: مطابقة بعض العوالم لبعضها الآخر 
 
ونضيف معنى عاشراً([9]) للحسن والقبح وهو: 
 
ان الحسن والقبح كثيرا ما يكونان مرتهنين بتطابق العوالم الوجودية الأربعة بعضها مع بعض, أي الوجود العيني والذهني واللفظي والكتبي، فالحسن هو ما تطابق فيه العالم المتأخر رتبة مع سابقه، وإلا فقبيح، 
 
مثال أول: إلحاق النسب 
 
وذلك كمن ينسب نفسه لغير أبيه فان ذلك قبيح بلا شك حتى مع فرض انه لا يترتب على ادعائه أية مفسدة خارجية كطمع في ارث او محرمية أو غيرهما، فان المشكلة الوحيدة هنا انه في متن الواقع لا نسب بين المدعي ومن نسب إليه نفسه، ولذا فادعاؤه هذا قبيح وما ذلك الا لعدم تطابق عالم الوجود اللفظي – ادعاؤه – مع عالم الوجود الخارجي، وان شئت قلت عدم تطابق عالم الوجود الاعتباري مع سابقه (النفس الأمري أي الخارجي). 
 
مثال اخر: الكفر بالله تعالى 
 
وهذا مثال آخر وهو الكفر بالله إذ نسأل: ما منشأ قبح الكفر بالله تعالى؟ 
 
والجواب: إن المنشأ([10]) لذلك هو ان هذا المعتقَد وهو الكفر هو من دائرة عالم الوجود الذهني – او مما هو في صقع النفس – لكنه لا يطابق الواقع الخارجي ولذا فهو قبيح وهذا القبح ثابت بقطع النظر عن المفسدة المترتبة عليه دنيوياً والعقوبة أخروياً. 
 
وهنا مبحث يذكره المتكلمون وهو انه لو فرض أن الله سبحانه أمرنا بالكفر فهل يكون الكفر حينئذٍ حسنا او قبيحا([11])؟ 
 
والجواب: يوجد هنا وجهان، فان القبح الذاتي، نظراً لعدم مطابقة العالَمين: المعتقد والواقع، باق على حاله، ولكن وجد فيه وجه حسنٍ عارض وهو كونه إطاعة لله فاندرج باب التزاحم ويتغلب الثاني على الأول فيقدم عليه، 
 
وهذا المعنى الجديد سينفع أيضاً في تنقيح ونقد كلام الأعلام الثلاثة كما سيأتي بإذن الله تعالى. وللكلام تتمة 
 
وصلى الله على محمد واله الطاهرين 
 
 
([1]) إذ الاقتضاء هو الوجه الذي يلي الشيء والانبغاء – في المقام – هو الوجه الذي يلي الغير. 
 
([2]) وان أنكره بعض المتأخرين كالشيخ المظفر في أصوله تبعاً لمنطق الاشارات، مرجِعاً له إلى القسم الثاني وهذا غريب من مثله (أصول الفقه ج1 ص211 مبحث المستقلات العقلية 4- أسباب حكم العقل العملي بالحسن والقبح) وقد فصلنا ذلك سابقا فراجع 
 
([3]) وهذا هو المعنى السادس الآتي. 
 
([4]) وهذا هو المعنى الثامن الآتي. 
 
([5]) فانه من عالم الإثبات وتلك من عالم الثبوت. 
 
([6]) الاقتضاء الذاتي وتوافق العقلاء وتقبيح الشارع أو تحسينه. 
 
([7]) والحسن إما ان يكون ضدا له او نقيضا 
 
([8]) وأما منشأ التباني فلعله العادة او الخلق النفسي أو الانفعال النفساني كالغيرة او الحمية او ما أشبه 
 
([9]) وهذا معنى جديد للحسن والقبح ويفتح أبواباً عديدة للبحث 
 
([10]) أي من مناشئ ذلك. 
 
([11]) قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) وهذه قضية شرطية وصدقها غير موقوف على إمكان المقدم، بل هي تنسجم حتى مع امتناعه كما في الآية فان التالي يترتب على نفس المقدم الممتنع 

  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=157
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاثنثين 16 ذو القعدة 1434هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 04 / 10