• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الاجتهاد والتقليد(1435-1436هـ) .
              • الموضوع : 430- التبعيض في التقليد ( تعريفه ، محلّه ، انواعه ... ) .

430- التبعيض في التقليد ( تعريفه ، محلّه ، انواعه ... )

 بسم الله الرحمن الرحيم 
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 
 
التبعيض في التقليد 
 
(1) 
 
تعريفه: 
 
(ان يقلد المكلف في حكمٍ (تكليفي أو وضعي) أو موضوعِ حكمٍ أو لواحقهما([1]) مجتهداً مساوياً أو مطلقاً مع كونه قد قلّد في كلّيه أو جزئية أو قسيمه([2]) أو شبه ذلك مجتهداً آخر، تشهياً أو لأية جهة أو حكمة يراها المكلف غير جهة الاقربية للإصابة أو حتى معها ان لم توجب التعيين بل صِرف الرجحان) كما سيأتي. 
 
وسيتضح الوجه في القيود بعد ذكر محل الكلام وأنواع التبعيض. 
 
محل الكلام وموضوعه: 
 
- المجتهدان المتساويان في العلمية بناء على وجوب تقليد الأعلم، وأولى منه: 
 
المجتهدان المتساويان في العلمية بناء على عدم وجوب تقليده. 
 
- الأعلم وغيره بناء على عدم وجوب تقليد الأعلم. 
 
- الأعلم وغيره حتى بناء على وجوب تقليد الأعلم وذلك في صورتين: 
 
االأولى: إذا جهل الأعلم لجهل ضابطه 
 
الثانية: إذا جهل الأعلم، للجهل بالمصداق وان علم الضابط. 
 
وكلتا الصورتين أعم من كون العلم بهما (الضابط أو المصداق) لتعذره على المكلف أو لتعسره عليه. 
 
توضيحه: ان الأعلم قد يُجهل للتحير والتردد – اجتهاداً أو تقليداً – في ضابطه كأن تحير في كون ضابطه هو الأكثر إحاطة بالمدارك والمصادر والقواعد والروايات أو هو الأكثر عمقاً ودقةً وتحقيقاً أو الأقرب للذوق العرفي أو غير ذلك، فيجهل تبعاً لذلك من هو الأعلم وان عرف حال المصداق وان هذا أكثر دقة وتحقيقاً والآخر أكثر إحاطة ومعرفة. 
 
وقد يكون العكس بان يطمئن إلى الضابط باستقلال عقله أو بغير ذلك لكنه يجهل الانطباق والمصداق وان ايهما الأكثر إحاطةً أو دقةً أو غير ذلك. 
 
ثم ان صورة التعذر واضحة، أما التعسر فلأن العسر مسقط للتكليف ومنه التكليف بتقليد الأعلم فانه حتى لو قلنا بوجوبه تعييناً فانه يسقط إذا كانت معرفة الأعلم عسراً وحرجاً؛ لعموم أدلة رفع العسر والحرج للمقام كما صرح بذلك جمع من الأعلام. 
 
ولا يخفى ان الظاهر عسر إحراز الأعلمية للكثير من الناس في الكثير من الأزمنة، نعم في صورة الشياع العام المفيد للاطمئنان (أو مطلقاً([3]) على رأي السيد الوالد) أو صورة عدم معارضة شهادة البينة بشهادة معاكسة لآخر وشبه ذلك، فان الأمر سهل. 
 
- الحي والميت بناء على جواز تقليد الميت ابتداء 
 
- الحي والميت بناءاً على – جواز الاستمرار على تقليد الميت لمن مات مقلَّده. وكلتا الصورتين الأخيرتين كثيرة الابتلاء، بل وما سبقها إلا الأولى فتدبر. 
 
أنواعه: 
 
1- التبعيض في الأبواب كأن يقلد في المعاملات أحدهما وفي العبادات الآخر. 
 
2- التبعيض في الكتب كأن يقلد في الصلاة أحدهما ويقلد في الزكاة الآخر. 
 
والمشهور بين العامة المنع عنه والمشهور عندنا الجواز. 
 
3- ان يبعِّض في مسائل الكتاب الواحد. 
 
4- ان يبعض في المسألة الواحدة في غير المترابطين. 
 
وهذا على قسمين: 
 
أ- ان يبعِّض بين فردي كلي واحد 
 
ب- ان يبعض بين صنفي كلي واحد. 
 
والأول: كأن يقلد احدهما في مطهرية ماء الورد أو رافعيته للحدث في هذا الفرد فيتوضأ به أو يطهر يده من النجاسة به دون ذاك الفرد الموجود في منزلة الآخر مثلاً فلا يعتبره مطهراً كما أشار إليه الشيخ كاشف الغطاء([4]) قال: (لو كان عنده ماءان للورد فقلد القائل بجواز الوضوء في احدهما وقلد القائل بعدم صحة الوضوء في الآخر) 
 
أقول: أو كانت عنده أختان رضاعيتان ارتضعتا معه عشر رضعات فيقلد في محرّمية العشرة أحد الفقيهين فيعتبرها أخته ويجالسها وينظر إليها ويقلد في عدم محرّمية العشرة للاخرى فقيهاً آخر فيتزوجها!. 
 
وأقول: وكذلك لو عمل بفتوى احدهما في كونه مطهراً من الخبث لفتواه بانه ماء مطلق على القول بمرجعيته في الموضوع المستنبط أو الصرف إن لم يكن من الأول وقلنا بجواز التقليد في الثاني([5]) وعمل بفتوى الثاني في عدم كونه مطهراً من الحدث لفتواه بانه ماء مضاف، نعم يدخل هذا في جهتي المسألة الواحدة لا في فرديه من النوع الواحد. 
 
والثاني: ان يقلد في نجاسة اليهودية مثلاً من يقول بنجاسة مطلق الكافر ويقلد في طهارة الملحد مثلاً من يقول بطهارة مطلق الإنسان أو العكس كما أشار إليه السيد القزويني في تعليقته على المعالم([6]) قال: (وذلك كما لو أفتى مجتهد بنجاسة الكافر فعمل بها المقلّد في اليهود في محل الابتلاء ولم يعمل في المجوس لعدم ابتلائه به إلى زمانٍ فحصل الابتلاء به وحينئذٍ فلا يجوز له الرجوع إلى مجتهد يفتي بطهارة المجوس، لكونه مخالفة للتقليد لأنه قلّد المجتهد الأوّل في نجاسة اليهود باعتبار كونه كافراً فهو قلّده في نجاسة الكافر وهو يعمّ المجوس أيضاً. 
 
وبالجملة يجب عليه الأخذ في المجوس بمقتضى فتوى الأوّل، لأن نجاسة المجوس مع نجاسة اليهود من مسألةٍ واحدة تعدّد أفرادها، فلا يجوز العدول فيها عن التقليد في بعض الأفراد) 
 
التبعيض بين الحدوث والاستمرار 
 
5- التبعيض بين الحدوث والاستمرار 
 
وهو ما طرحه صاحب القوانين لكن تحت عنوان آخر وهو مبحث نقض الفتوى بالفتوى وإبطالها إذ ذهب إلى ان الفتوى منها ما يستلزم حدوثها بقاءها ما لم يطرأ عليها دليل من الشارع مزيل لحكمها الوضعي. ومنها ما لا يستلزم حدوثه بقاءه. 
 
ومثّل للأول بالعقود والإيقاعات 
 
وللثاني بالطهارة والنجاسة والحلية والحرمة. 
 
قال في القوانين([7]) (واما جواز نقض الفتوى بالفتوى بمعنى إبطالها من رأس أو تغييرها من الحال مطلقاً، ففيه غموض وإشكال، وتوضيحه أن الفتوى على أقسام: 
 
منها: ما يستلزم الاستدامة ما لم يطرأ عليه مزيل بحكم وضعي. 
 
ومنها: ما لا يستلزمه. 
 
فالأوّل: مثل الفتوى في العقود والإيقاعات. 
 
والثاني: مثل الفتوى في نجاسة الماء القليل بالملاقاة، وعدم نجاسة الكرّ، وأمثال ذلك من حلّيّة المطاعم وحرمتها، مما اختلف فيه، وغير ذلك، فإن فرض ان يفتي أحد بجواز عقد البِكر بإذنها وفرضنا غيبة أبيها، وعقدناها بتلك الفتوى، ثم تغيّر رأي المجتهد قبل حضور أبيها وقبل تحقّق المخاصمة والمرافعة بينهما، فالعمل على هذه الفتوى وإجراء العقد عليها مما يستلزم الدوام، فإن العقد يقتضي الاستمرار، إمّا دائماً أو إلى أجل كالمنقطع. 
 
وقطع الاستمرار فيه يتوقف على ما وضعه الشارع لذلك، مثل الطلاق والإرتداد وإنقضاء المدة أو هبتها، وحصول الرِّضاع اللاحق أو ثبوت الرضاع السابق إذا لم يعلم الزوجان بحال الرضاع قبل العقد، ولم يثبت في آية وخبر أنّ تجدّد الرأي من القواطع). 
 
أقول: سيأتي بحثه وتفصيله، واما تطبيقه على المقام فبأن يقال: هل يجوز التبعيض في التقليد بين الحدوث والاستمرار بان يقلد احدهما في جواز التزوج بمن أرتضعت معه 12([8]) رضعة فيتزوجها ويقلد الآخر المحرم للزواج بمن ارتضعت معه 12 رضعات فيفارق الأخرى فيمن فرضت له أختان رضاعيتان احداهما تزوجها سابقاً والأخرى يريد الزواج بها الآن فيقلد في (الحدوث) المجوِّزَ ليتزوجها ويقلِّد في الاستمرار المحرِّم ليفارق الزوجة القديمة دون طلاق أو فسح لكونها غير زوجة له أبداً؟ 
 
 
([1]) من قيد أو شرط أو مانع. 
 
([2]) واما لو قلد فيه مجتهداً آخر، فهو عدول لا تبعيض. 
 
([3]) أي حتى غير المفيد له. 
 
([4]) النور الساطع في الفقه النافع ج2 ص195. 
 
([5]) كما سبق تحقيقه في (مبادئ الاستنباط). 
 
([6]) تعليقة على معالم الأصول ج7 ص507. 
 
([7]) القوانين ج3 -4 ص533 – 534. 
 
([8]) والمقصود الأقل من 15 رضعة.

  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=1343
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاربعاء 7 ذو القعدة 1435هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 04 / 10